شدني جداً ما سمعته من أغلب اللاعبات السعوديات المشاركات في ملتقى المملكة لناشئات والسيدات بالمدينة المنورة ، فكتبت هذا الموجز آملاً أن يصل إلى المسؤولين لتدارك الموضوع ومعالجته بالشكل المناسب.
بين رفع الجودة… وخطر تحطيم المواهب الوطنية في وقت مبكر
تشهد ألعاب القوى النسائية في المملكة العربية السعودية نموًا متسارعًا خلال السنوات الأخيرة، في ظل دعم كبير من وزارة الرياضة، والاتحاد السعودي لألعاب القوى، والأندية الرياضية، والاهتمام المتزايد ببناء جيل جديد من البطلات السعوديات القادرات على تمثيل الوطن مستقبلًا.
لكن مع هذا النمو، يبرز سؤال مهم جدًا في الوسط الرياضي والفني : هل إشراك اللاعبات الأجنبيات في ملتقيات وبطولات الإناث في هذا التوقيت المبكر يصب فعلًا في مصلحة اللعبة؟
أم أن هذه الخطوة — رغم ما تحمله من أهداف تطويرية — قد تكون سابقة لأوانها وتنعكس سلبًا على اللاعبة السعودية نفسيًا وفنيًا؟
هذا السؤال ليس مجرد رأي عاطفي أو انطباع لحظي، بل هو قضية فنية وتنموية حساسة تستحق التوقف والتحليل.
أولًا: الفكرة من مشاركة اللاعبات الغير سعوديات … ماذا يريد منها المنظمون؟
من حيث المبدأ، فإن السماح بمشاركة اللاعبات الغير سعوديات في البطولات المحلية قد يكون له أهداف مشروعة ومفهومة، منها:
*رفع المستوى الفني للمنافسة
*خلق بيئة تنافسية أقوى
*تسريع تطور اللاعبات السعوديات
*نقل الخبرة والانضباط الاحترافي
*تقليل الفجوة مع المستويات الأعلى
*إعداد اللاعبات السعوديات لمنافسات خارجية مستقبلًا
هذه الأهداف على الورق تبدو ممتازة، بل ومنطقية جدًا. ، لكن المشكلة ليست في الفكرة نفسها…بل في توقيت التطبيق وطريقة التنفيذ ، وهنا تكمن القضية الحقيقية.
ثانيًا: لماذا قد يكون الوقت الحالي مبكرًا جدًا؟
ألعاب القوى النسائية السعودية ما زالت — بصراحة وواقعية — في مرحلة التأسيس والبناء، وليست بعد في مرحلة النضج الكامل أو الاستقرار الفني.
وهذا يعني أن:
*عدد الممارسات لا يزال بحاجة إلى توسع
*القاعدة التنافسية المحلية لم تكتمل بعد
*بعض الأندية لا تزال تبني فرقها النسائية من الصفر
*كثير من اللاعبات ما زلن في بدايات التكوين الفني
*الفوارق التدريبية والإعدادية بين الأندية ما زالت كبيرة
*البنية النفسية التنافسية لدى بعض اللاعبات لا تزال هشة
في مثل هذه المرحلة، عندما تدخل لاعبة غير سعودية بمستوى أعلى، وخبرة أكبر، وخلفية تدريبية أكثر نضجًا، فإن المقارنة لا تكون عادلة أصلًا.
فاللاعبة السعودية هنا لا تخسر أمام منافسة “في نفس المرحلة”، بل تخسر أمام لاعبة جاءت من بيئة رياضية أكثر اكتمالًا واستقرارًا. ، وهذا فرق جوهري جدًا.
ثالثًا: المشكلة ليست فقط في الخسارة… بل في أثرها النفسي
في الرياضة، ليست كل خسارة مفيدة. ،نعم، أحيانًا الخسارة تصنع بطلة… لكن أحيانًا أخرى، إذا جاءت في وقت مبكر جدًا وبفارق كبير جدًا، فإنها تحطم الدافع بدل أن تبنيه.
وهذا ما يحدث غالبًا مع بعض اللاعبات الصغيرات أو المستجدات. ، فاللاعبة حين تتدرب، وتتعب، وتحلم بميدالية، ثم تجد نفسها فجأة أمام منافسة بمستوى بعيد جدًا عنها، فإن أول ما يتولد داخلها ليس دائمًا “الحماس للتطور”، بل قد يكون:
*الصدمة
*الإحباط
*الشعور بعدم القدرة على اللحاق
*فقدان الثقة
*الاعتقاد بأن المنافسة غير عادلة
*التفكير في ترك اللعبة أو تقليل الحماس لها
وهذه نقطة خطيرة جدًا في الألعاب الفردية تحديدًا، لأن اللاعب أو اللاعبة في ألعاب القوى يعيش نتيجته بشكل مباشر وشخصي جدًا.
رابعًا: المثال الواقعي يوضح الفجوة بوضوح
ومن خلال حضوري لملتقى المملكة بالمدينة المنورة
و في مسابقة الوثب العالي على سبيل المثال يعبّر عن الواقع بوضوح شديد:
*اللاعبة الغير سعودية الأولى: 1.60م
*اللاعبة السعودية الثانية: 1.35م
الفارق هنا ليس بسيطًا، بل فارق كبير جدًا في مسابقة فنية دقيقة مثل الوثب العالي.
هذا النوع من الفروقات لا يُقرأ فقط على أنه “نتيجة”، بل يُقرأ نفسيًا عند اللاعبة السعودية على شكل:
“أنا بعيدة جدًا”
“لن أستطيع الوصول”
“كيف جاءت بهذه السهولة وأنا أتعب كثيرًا؟”
“الميدالية لم تعد لي أصلًا”
وهنا تتحول البطولة من منصة تحفيز إلى منصة إحباط ، وهذه أخطر نقطة في الموضوع كله.
خامسًا: هل الاحتكاك القوي دائمًا مفيد؟
هناك مقولة شائعة في الرياضة تقول:
“الاحتكاك يصنع الأبطال”
وهذه المقولة صحيحة… لكن ليس دائمًا، وليس في كل مرحلة. ، الاحتكاك يكون مفيدًا عندما تكون اللاعبة:
*تمتلك قاعدة فنية جيدة
*مستقرة نفسيًا
*قريبة نسبيًا من المستوى الأعلى
*قادرة على فهم الخسارة واستثمارها
*تعمل ضمن مشروع تطوير واضح
أما إذا كانت اللاعبة لا تزال في بداية الطريق، فالمنافسة العالية جدًا قد لا تُنتج تطورًا، بل تُنتج انسحابًا داخليًا.
بمعنى آخر: الاحتكاك مفيد عندما يكون “تحديًا” ، لكنّه يصبح ضارًا عندما يتحول إلى “صدمة”
وهذا فرق مهم جدًا يجب أن يفهمه كل من يخطط لتطوير اللعبة.
سادسًا: ما إيجابيات مشاركة الغير سعوديات؟
رغم كل التحفظات، لا يمكن إنكار أن لهذا القرار بعض الإيجابيات إذا أُحسن استخدامه، ومنها:
(1) رفع السقف الفني
وجود مستويات أعلى يجعل الأندية والمدربين واللاعبات يدركون ما هو مطلوب للوصول إلى المنافسة الحقيقية.
(2) كسر الرضا بالمستويات المحدودة
أحيانًا تكون البطولات المحلية مريحة جدًا، فتظن اللاعبة أنها وصلت، بينما هي لا تزال بعيدة عن المستوى الخارجي.
(3)زيادة الجدية والانضباط
حين ترى اللاعبة نموذجًا أكثر احترافية في الإحماء، والالتزام، والتنفيذ الفني، فقد تتعلم سلوكًا تنافسيًا مهمًا.
(4)تحسين جودة البطولات
المنافسة القوية ترفع قيمة البطولة فنيًا وإعلاميًا وتنظيميًا.
(5) إعداد مبكر للنخبة
بعض اللاعبات السعوديات الموهوبات جدًا قد يستفدن فعلًا من الاحتكاك القوي، بشرط أن يكنّ مهيآت لذلك.
لكن — وهنا بيت القصيد — هذه الإيجابيات لا تتحقق تلقائيًا لمجرد وجود الغير سعوديات ،بل تحتاج إلى مرحلة انتقالية وخطة دقيقة.
سابعًا: ما سلبيات مشاركة الأجنبيات في هذا التوقيت؟
هنا تظهر المخاوف الحقيقية، والتي يمكن تلخيصها في عدة نقاط مهمة:
(1)سحب الميداليات من السعوديات
الميدالية في المراحل التأسيسية ليست مجرد “قطعة معدنية”،
بل هي:
*حافز
*ثقة
*شعور بالإنجاز
*دافع للاستمرار
* رسالة للأسرة والنادي بأن اللاعبة تتقدم
وعندما تُسحب هذه المكافأة المعنوية مبكرًا، قد ينكسر شيء مهم داخل اللاعبة.
(2) تحطيم الدافعية النفسية
وهذه من أخطر السلبيات، خصوصًا عند الفئات الصغيرة والناشئات.
(3) عزوف بعض اللاعبات عن الاستمرار
وهذا احتمال وارد جدًا إذا شعرت اللاعبة أن المنافسة محسومة مسبقًا.
(4) إضعاف القيمة التدرجية للبطولة المحلية
المفترض أن البطولة المحلية تكون مساحة لبناء اللاعبة السعودية تدريجيًا، لا لاختبارها فجأة أمام فارق كبير.
(5) خلق بيئة غير عادلة تنمويًا
لأن بعض الأندية قد تستفيد مباشرة من اللاعبات الغير سعوديات جاهزات، بينما أندية أخرى تبني لاعبات سعوديات من الصفر، وعلى حسب ظروف كل نادي المادية فتكون المقارنة غير متكافئة.
ـــــــــــــــ
*مدرب ومحاضر




