في عالمٍ اعتاد أن تُعرِّف فيه الألقاب أصحابها قبل كلماتهم، يبرز أحيانًا أشخاص يسبقهم تواضعهم قبل درجاتهم العلمية. من هؤلاء الأستاذ الدكتور في علم الكيمياء محمد بكر عبدالله، الذي يترك في نفوس من يلتقونه لأول مرة ما يشبه “كيمياء الإعجاب”، فيحرك مركبات النفس نحو التقدير منذ اللحظة الأولى.
هو رجل في العقد الرابع من عمره، يحمل مؤهلًا علميًا رفيعًا واسمًا حاضرًا في ميادين البحث العلمي، غير أن من يلتقيه لأول مرة قد لا يدرك حجم مكانته العلمية إلا عندما يبدأ الحديث. فملامحه الهادئة، وطبيعته المتواضعة، وبساطته في التعامل، لا توحي بأنه أحد الباحثين الذين نشروا عشرات الأبحاث في تخصص دقيق كعلم الكيمياء.
في احتفالية منصة العثمان الإعلامية التي جمعت عددًا من الحضور، حضر بهدوء كعادته، واختار زاوية من المجلس بعيدًا عن الأضواء. لم يسعَ إلى لفت الانتباه، ولم يقدّم نفسه بألقابه، بل جلس مستمعًا أكثر من كونه متحدثًا. لكن عندما جاء دوره في الحديث، تحوّل المجلس إلى حالة من الإنصات التام.
لم يكن ذلك بسبب درجته العلمية الرفيعة فحسب، بل بسبب أسلوبه المتزن وحديثه العميق، الذي جمع بين المعرفة والهدوء والتواضع. كلمات قليلة، لكنها مرتبة بعناية، تحمل روح الباحث، ولغة العالم، وهدوء الإنسان الذي يعرف قيمة العلم دون أن يجعله وسيلة للتعالي.
الدكتور محمد بكر عبدالله باحث في علم الكيمياء، كرّس جزءًا كبيرًا من مسيرته العلمية لنشر الأبحاث المتخصصة، حيث نشر عشرات الدراسات العلمية في مجاله، وأسهم في إثراء المعرفة في هذا التخصص الدقيق. أمضى ما يقارب عشر سنوات في بلد الابتعاث، بين البحث والتحصيل العلمي، عاد بعدها محمّلًا بأعلى الدرجات العلمية والخبرات البحثية.
ورغم هذا الرصيد العلمي الكبير، يبدو عليه قدر كبير من البساطة والطيبة في التعامل، وهو ما يجعل حضوره في أي مجلس يضيف رونقًا خاصًا. فقد خرج الحاضرون من تلك الجلسة بانطباعٍ لافت عن شخصية تجمع بين عمق العلم ودفء الإنسانية.
وحين سُئل عن خططه القادمة، أشار إلى أنه بدأ بالفعل الدخول إلى عالم التأليف العلمي، حيث يعمل حاليًا على إعداد كتابه الأول في تخصص علم الكيمياء، مستفيدًا من سنوات طويلة من البحث والتجربة الأكاديمية.
لكن طموحه لا يقف عند حدود البحث والنشر، بل يمتد إلى الإسهام في تأهيل الكوادر الوطنية من الباحثين والطلاب من خلال عمله عضوًا في هيئة التدريس، إلى جانب مواصلة مشاريعه البحثية في مجاله العلمي.
كانت الجلسة بين إعلاميين، وهم في العادة من يصنعون الأثر بالكلمة والصورة، لكن اللافت أن هذا العالم الهادئ ترك أثرًا واضحًا في نفوسهم جميعًا؛ أثرًا صنعه بأسلوبه المنمق، وكلماته المرتبة، وشخصيته التي تمزج بين العلم والتواضع.
وبين كيمياء المختبر وكيمياء الروح، يبدو أن البروفيسور محمد بكر عبدالله لا يكتفي بدراسة المركبات العلمية فحسب، بل يترك أيضًا أثرًا إنسانيًا خاصًا في كل مجلس يحل فيه، كأن حضوره نفسه تجربة كيميائية ناجحة تترك انطباعًا لا يزول.




