تُعد صناعة ماء الورد الطائفي أعرق الحرف الزراعية العطرية التي تزهو بها محافظة الطائف، وتتناقلها الأجيال كإرث شفيف لا يذبل. يرتبط هذا الموروث العطري بموسم قطف الورد، ذلك الموسم الذي لا يتجاوز خمسة وأربعين يوماً في ربيع الطائف، حيث تُقطف الورود باكراً في هدأة الفجر، قبل أن تفضحها الشمس وتُبدد عطرها الثمين.
طقوس القطف الأولى
مع أول ضوء، ينطلق المزارعون إلى حقولهم التي تتحول إلى لوحة عطرية، لتبدأ مرحلة الفرز الدقيقة حيث تُختار الأزهار ذات الجودة العالية، لتُشكل المادة الخام لعملية التقطير التي توارثوها عبر الأجداد.
أسرار “القدور” النحاسية
وفي قلب المعامل التقليدية، أوضح المزارع المخضرم “عيضه عواض أبوشقط الطويؤقي” للمشاهد أن العملية تبدأ بنقل الورد الطازج إلى أوعية نحاسية كبيرة تعرف محليًا بـ” قدور الطبخ”. تُوضع فيها كميات محددة من الورد مع الماء، ثم تُحكم عملية الإغلاق باستخدام أغطية محكمة كي لا تتسرب الأبخرة.
وأضاف الطويؤقي: “توضع الأوعية على مصادر حرارة معتدلة، لتبدأ رحلة التحول حيث يغلي الماء وتنطلق الأبخرة المشبعة بالزيوت العطرية الثمينة. تنتقل هذه الأبخرة عبر أنابيب نحاسية باردة إلى أوعية التبريد التي نسميها ‘الملتقى’، وهناك تتكاثف وتتحول من بخار إلى سائل عطري يُجمع بعناية فائقة.”
من الوردة إلى القارورة: نسب الإنتاج
وعن الكميات والمعادلات الدقيقة للإنتاج، كشف الطويؤقي أن العملية تحتاج إلى كميات هائلة من الورد لإنتاج كميات قليلة من الزيت النقي، مما يفسر القيمة الاقتصادية العالية لهذا المنتج.
وقال: “في المتوسط، نحتاج إلى ما بين 10 آلاف إلى 20 ألف وردة، وهو ما يعادل وزنيًا 20 إلى 25 كيلوغرامًا من الأزهار، وذلك لإنتاج 50 لترًا من ماء الورد النقي، بالإضافة إلى ‘تولة’ واحدة فقط من دهن الورد (زيت الورد العطري).”
وأشار إلى أن هذه النسب تختلف بحسب بداية الموسم أو نهايته، وكذلك بحسب توقيت قطف الورد في الصباح الباكر، والذي يعد العامل الحاسم في جودة وكمية الزيوت المستخلصة.
إتقان الحرفة ومواكبة العصر
وأكد المزارع أن تقطير الورد ليس مجرد عملية آلية، بل هو حرفة تتطلب خبرة دقيقة في ضبط درجات الحرارة ومدة التقطير، لضمان الحفاظ على جودة المنتج ونقائه. ورغم التطور التكنولوجي، شدد على أن التقنيات الحديثة تأتي فقط لتحسين كفاءة الإنتاج، دون المساس بالطرق التقليدية التي تمثل جزءًا أصيلاً من التراث المحلي.
استخدامات متعددة وقيمة علاجية
يُذكر أن ماء الورد الطائفي لا يقتصر استخدامه على العطور والبخور، بل يمتد ليشمل صناعة مستحضرات التجميل والعناية بالبشرة، كما يدخل في الصناعات الغذائية كإضافة أساسية للحلويات والمشروبات التقليدية والأطعمة الشعبية، مما يجعله كنزًا سعوديًا متعدد الفوائد.





