في الطائف، لا يبدأ موسم الورد من الحقول… بل من الفكرة، فكرة أن مدينة يمكن أن تعيد تعريف نفسها من خلال زهرة.
منذ عقود، كان الورد الطائفي مجرد نشاط زراعي موسمي، يُقطف بصمت، ويُقطّر في معامل تقليدية، ثم يغادر في قوارير صغيرة إلى أسواق بعيدة. لم يكن أحد يتحدث عن “تجربة”، ولا عن “وجهة سياحية”، ولا حتى عن “اقتصاد الورد”.
كان كل شيء بسيطاً… وربما لهذا كان عميقاً ، اليوم، نحن أمام مشهد مختلف تماماً ، أكثر من 550 مليون وردة تُنتج سنوياً، وما يقارب 800 إلى 900 مزرعة تعمل خلال موسم لا يتجاوز شهر ونصف. أرقام تبدو زراعية في ظاهرها، لكنها في الحقيقة تحمل ملامح اقتصاد كامل.
لكن القصة الحقيقية لا تكمن في هذه الأرقام، بل في ما حدث بعدها.
حين انطلق مهرجان الورد في منتصف العقد الأول من الألفية، لم يكن سوى محاولة متواضعة لتعريف الناس بمنتج محلي. عشرات الآلاف من الزوار، وعدد محدود من العارضين، وفعاليات يمكن عدّها على الأصابع.
غير أن الفكرة—كما يحدث دائماً—سبقت حجمها، وخلال أقل من عقد، قفز عدد الزوار من عشرات الآلاف إلى مئات الآلاف، ثم إلى ما يقارب 1.5 مليون زائر في بعض النسخ.
وهنا تحديداً، بدأت الأسئلة الصعبة:هل نحن أمام مهرجان ناجح… أم رقم كبير فقط؟ منذ ٢٠١٢ تبلورت الفكرة أكبر وأكبر وأصبح مهرجان الورد اسما لامعا في فضاء الوطن العربي واستمر لسنوات متتالية
وفي 2019 من تلك اللحظة، بدأ التحول الحقيقي ، لم يعد الهدف “كم زائراً حضر”، بل “ماذا حدث لهؤلاء الزوار؟”.
هل عاشوا تجربة؟
هل تعرّفوا على المنتج؟
هل تحركت عجلة الاقتصاد فعلاً؟
ومن هنا، بدأ مهرجان الورد يتغير بهدوء…من فعالية موسمية إلى منظومة متكاملة.
اليوم، لم يعد الورد مجرد محصول، بل سلسلة تبدأ من المزرعة، مروراً بمعامل التقطير التي يزيد عددها على 70 معملاً، وصولاً إلى منتجات تدخل في العطور الفاخرة ومستحضرات التجميل.
ولعل أكثر ما يلخص هذه الرحلة، أن إنتاج “تولة” واحدة من دهن الورد يتطلب نحو 30 ألف وردة—في صورة مكثفة لقيمة لا تُرى بالعين.
الأهم من ذلك، أن الطائف لم تعد تبيع ورداً… بل تبيع تجربة.
الزائر لم يعد يكتفي بالشراء، بل يريد أن يقطف، ويشاهد، ويتذوق، ويفهم. يريد أن يكون جزءاً من القصة، لا مجرد متفرج عليها. وهنا تحديداً، يتحول المهرجان إلى ما هو أبعد من اسمه.
إلى ملتقى يجمع بين المزارع والمستثمر والسائح، وبين التراث والاقتصاد، وبين الماضي وما يمكن أن يكون عليه المستقبل ، هذه هي اللحظة التي تكبر فيها المدن ، ليس حين تبني المزيد من الفعاليات،
بل حين تفهم ما تملكه… وتعيد تقديمه للعالم.
الطائف فعلت ذلك بالورد ، وربما هذه هي الفكرة التي تستحق أن تُقطف:
أن التنمية لا تحتاج دائماً إلى موارد جديدة، بل إلى عين جديدة ترى الموارد القديمة بشكل مختلف.
في النهاية، قد يذبل الورد بعد أيام، لكن المدن التي تتعلم كيف تحكي قصته…لا تذبل أبداً.





