في رحاب جامعة الملك فيصل، وتحديداً بين جدران كلية الهندسة التي استعارت ملامح المستقبل في الفترة من 9 إلى 12 أبريل، انبعثت طاقة إبداعية مغايرة في النسخة الثالثة من هاكاثون الابتكار في الصحة والذكاء الاصطناعي؛ هذا الحدث الذي جاء بتنظيمٍ من كلية الطب ممثلةً بالمجلس الطلابي الطبي.
لم يكن مجرد ظاهرة ابتكارية عابرة تحت رعاية معالي رئيس الجامعة الأستاذ الدكتور عادل أبو زناده، بل كان بمثابة “انفجار معرفي” أعلن ميلاد عهدٍ جديد تتماهى فيه دقة الخوارزميات مع نبض الحياة؛ حيث تلاحمت إرادة 9 جامعات وطنية لتصبّ خلاصة عقولها في بوتقة واحدة، محولةً المشهد إلى حراك فكري يتجاوز حدود المألوف ويطمح لعناق المستحيل في سبيل أسمى الغايات: خدمة الإنسان وحماية روحه.
لقد انطلقت هذه الملحمة من قاعدة صلبة قوامها أكثر من 130 فريقاً تدافعوا بشغفهم على مستوى الوطن العربي، حملوا طموحاتهم كبذور تنتظر الضوء، ليتم اصطفاء 29 فريقاً منهم عبر معايير دقيقة، شكلوا “طليعة الابتكار” اللذين خاضوا غمار تجربة صُقلت ملامحها عبر 4 ورش عمل مكثفة كانت بمثابة مختبرات لصناعة المهارة، و3 جلسات حوارية فتحت نوافذ العقل على آفاق لم تُطرق من قبل، بينما كانت الـ 174 جلسة إرشادية هي الجسر الذي عبر عليه المبتكرون من ضفاف الحلم الهش إلى صرامة الواقع التنفيذي، وكأن لسان حالهم وسط سهرهم وجهدهم يجسد قول الشاعر :
بِقَدْرِ الكَدِّ تُكْتَسَبُ المَعَالِي … ومَنْ طَلَبَ العُلَا سَهِرَ اللَّيَالِي
هذا الحراك المهيب لم يكن ليتخذ مساره نحو القمة لولا تلك العقول “المحركة” التي سهرت خلف الستار؛ حيث تلاحمت جهود قادة الهاكاثون وأعضائه في سيمفونية إدارية اتسمت بالذكاء والاحترافية العالية؛ لم تكن أدوارهم مجرد إدارة لوجستية، بل كانت “هندسة للأمل” وتذليلاً للعقبات بروح جسورة لا تعرف المستحيل، محولين التحديات التنظيمية إلى فرص، والجهود الفردية المشتتة إلى نسيج جماعي متين
لقد استطاع هؤلاء القادة والأعضاء أن يبنوا منصةً لم تكتفِ بعرض الأفكار، بل احتضنت الأحلام حتى نضجت، وأثمرت في نهايتها عن لحظة تاريخية تجسدت في تتويج خمسة مراكز أولى، صعدوا منصة المجد كرموز للعبقرية الوطنية التي نجحت في تطويع لغة الآلة لتصبح حارساً وفياً لصحة البشرية.
ومع انطفاء أضواء القاعات، لا يسدل الستار على هذا المنجز، بل يبدأ الأثر الحقيقي في التمدد كخيوط الفجر التي لا تراجع عنها؛ فالمعرض المصاحب لم يكن نهاية المطاف، بل كان “نافذة زمنية” أطلّ من خلالها العالم على قدرة شبابنا في صياغة “بروتوكول” جديد للحياة، يمزج بين ذكاء القلب وذكاء الرقم.
إننا اليوم لا نحتفل بمجرد فائزين وجوائز، بل نحتفل بميلاد جيلٍ آمن أن المستحيل هو مجرد فكرة لم تُعالج بعد، وأن الابتكار هو الصلاة التي نؤديها في محراب العلم لنضمن غداً أكثر أماناً وإشراقاً؛ لقد غادر المشاركون وبقيت في الأروقة رائحة الإنجاز، وصدى كلماتٍ ستبقى محفورة في ذاكرة الوطن: أننا هنا، من قلب جامعة الملك فيصل، لا ننتظر المستقبل بل نصيغُ قدره، ونكتب بمدادِ الإبداع قصة وطنٍ يعانق السماء بعقله، ويحمي الأرض بقلبه.




