التَّعَصُّبُ هُوَ : الغُلُوٌّ وَمُجَاوَزَةُ الْحَدِّ فِي كُلِّ شَأْنٍ، سَوَاءٌ كَانَ لِلْقَبِيلَةِ أَوْ لِلْمِنْطِقَةِ أَوْ لِلْحِزْبِ.
فَهُوَ مِنَ الْأَسْبَابِ الَّتِي تُؤَدِّي إِلَى تَفَكُّكِ الْعَلَاقَاتِ وَالتَّوَاصُلِ بَيْنَ النَّاسِ، وَانْتِشَارِ الْفَوْضَى، وَالتَّدَنِّي فِي التَّعَامُلِ بَيْنَهُمْ.
يَقُولُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُ اللَّهُ (فِي مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى 35/230) :“لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ آيَةٌ وَاحِدَةٌ يُمْدَحُ فِيهَا أَحَدٌ بِنَسَبِهِ، وَلَا يُذَمُّ أَحَدٌ بِنَسَبِهِ”.
وَإِنَّمَا يُوزَنُ النَّاسُ بِأَعْمَالِهِمْ وَقُلُوبِهِمْ، لَا بِأَنْسَابِهِمْ وَقَبَائِلِهِمْ.
فَالطَّعْنُ فِي الْأَحْسَابِ وَالْأَنْسَابِ مِمَّا نُهِيَ عَنْهُ، وَوَصَفَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِقَوْلِهِ: “دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ”.
عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: “لَيْسَ مِنَّا مَنْ دَعَا إِلَى عَصَبِيَّةٍ، وَلَيْسَ مِنَّا مَنْ قَاتَلَ عَلَى عَصَبِيَّةٍ، وَلَيْسَ مِنَّا مَنْ مَاتَ عَلَى عَصَبِيَّةٍ”.رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
✿ وَلَا تَنْفَعُ الْأَنْسَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، قَالَ تَعَالَى : {فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ}.
✿ وَعَدَّهَا اللَّهُ مِنْ دَعَاوَى وَأُمُورِ الْجَاهِلِيَّةِ؛ فَقَدْ قَالَ تَعَالَى ذَامًّا أَهْلَ الْحَمِيَّةِ لِغَيْرِ الدِّينِ : ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ [الْفَتْحِ: 26].
❐ قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ فِي الْآدَابِ الشَّرْعِيَّةِ : “وَبَعْضُ النَّاسِ يَتْرُكُ الصِّفَاتِ الْمَطْلُوبَةَ الَّتِي هِيَ سَبَبٌ لِحُصُولِ الرُّتَبِ الْعَالِيَةِ اتِّكَالًا عَلَى حَسَبِهِ وَنَسَبِهِ”.
❐ وَقَالَ الْإِمَامُ الْمُجَدِّدُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِ مَسَائِلِ الْجَاهِلِيَّةِ: الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ وَالثَّمَانُونَ: الْفَخْرُ بِالْأَحْسَابِ.
هَذِهِ النُّصُوصُ تَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِ الْعَصَبِيَّةِ وَالتَّفَاخُرِ بِالْأَحْسَابِ وَالْأَنْسَابِ، وَأَنَّهَا لَا تَنْفَعُ الْإِنْسَانَ يَوْمَ الْحِسَابِ، وَإِنَّمَا هِيَ سَبَبٌ لِلْبَغْضَاءِ وَالْعَدَاوَةِ وَالْفُرْقَةِ وَقِيَامِ التَّحَزُّبِ الْمَذْمُومِ، وَسِلَاحٌ يَسْتَخْدِمُهُ الْأَعْدَاءُ وَالشَّيْطَانُ لِلتَّفْرِيقِ بَيْنَ النَّاسِ.
❍ فَالْإِسْلَامُ يَجْمَعُنَا عَلَى عَقِيدَةِ التَّوْحِيدِ، وَلَا فَخْرَ لَنَا إِلَّا بِطَاعَةِ الرَّحْمَنِ، وَاتِّبَاعِ الرَّسُولِ ﷺ.
❍ وَلْنَتَذَكَّرْ أَنَّ أَصْلَ خَلْقِ النَّاسِ جَمِيعًا وَاحِدٌ، وَأَنَّ مِيزَانَ التَّفَاضُلِ هُوَ التَّقْوَى، فَهِيَ الْمِعْيَارُ الْوَحِيدُ لِلتَّفَاضُلِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الْحُجُرَاتِ: 13].
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: “فَلَيْسَ أَحَدٌ أَكْرَمَ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِتَقْوَى اللَّهِ”.
✿ رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: “إِنَّ أَوْثَقَ عُرَى الْإِيمَانِ: أَنْ تُحِبَّ فِي اللَّهِ، وَتُبْغِضَ فِي اللَّهِ”.
✿ نَسْأَلُ اللَّهَ الْعَظِيمَ أَنْ يَجْعَلَنَا مِنْ أَهْلِ التَّقْوَى.




