كيف تمارس الحمد؟
في المقالة الافتتاحية لهذه السلسلة، بيّنا أن الحمد لله هو مفتاح الرؤية الصحيحة لمختلف شؤون الحياة؛ وبدونه تختل رؤيتنا لهذه الشؤون، فلا نبلغ تطلعاتنا المشروعة ولا نحقق أهدافنا السليمة.
وقد وردتني تعقيبات من بعض قرّاء المقالة الأولى تطلب توضيح كيفية ممارسة الحمد؛ لذا تأتي مقالة هذا الأسبوع لبيان جملة من الوسائل العملية التي تعين على ممارسته، وتحويله من مجرد لفظ يُقال إلى حالة تُعاش، تُثمر أثراً إيجابياً في حياتك بمختلف جوانبها. ولك، عزيزي القارئ، أن تختار ما يلائمك منها، على أن الأفضل هو الجمع بين أكثر من وسيلة.
وأود التنبيه إلى أن عبارة "الحمد لله" من أكثر الألفاظ دوراناً على ألسنتنا، غير أنها لا تنال حظها الكافي من استحضار معناها. ومن هنا، فإن حجر الزاوية في ممارسة الحمد هو "الاستشعار"؛ أي أن تستحضر بقلب حاضر ورغبة صادقة ما لا يُحصى من النعم التي سخرها الله عز وجل لك.
وفيما يلي استعراضٌ لأبرز أساليب ممارسة الحمد:
ممارسة الحمد لله عند الاستيقاظ:
ابدأ يومك باستشعار نعمة الحياة بالذكر المعروف "الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور".
استشعار لفظ الحمد في الصلاة:
عندما تصلي المرة القادمة، استشعر بشكلٍ قوي اللحظات التي تردد فيها لفظ الحمد، وبالأخص عند البدء في الفاتحة، وعند الرفع من الركوع.
استشعار لفظ الحمد في أذكار ما بعد الصلاة:
عند أداء الذكر المأثور بعد الصلاة، والذي يتضمن قول "الحمد لله" وتكراره ثلاثًا وثلاثين مرة، استحضر أن هذا التكرار لم يُشرع عبثًا، بل لحكمة عظيمة. فاجعل لسانك يلهج به وقلبك حاضر، واستشعر مع كل تكرار نعمةً من نعم الله تخطر على بالك.
ولو فاتك الاستشعار في التحميدات الأولى، فلا تفوتها في التحميدات التي تليها، وأقنع نفسك أن لديك من النعم ما يفوق ما لديك من تحديات أو آلام.
نَوِّع في صيغ الحمد:
فتارةً تقول: "الحمدُ لله"، وتارةً تقول: "الحمدُ للهِ ربِّ العالمين"، وتارةً أخرى: "ربِّ أوزِعني أن أشكر نعمتك".... الخ. فالتنويع بين هذه الألفاظ يُعينك على استحضار معانيها، ويُجدِّد حضور القلب معها، ويُعمِّق في نفسك حالة الحمد.
الإكثار من قول "الحمد لله" في مواقف الحياة:
اجعل الحمد حاضراً في يومك: عند استيقاظك، وعند ركوبك السيارة، وفي لحظات الحزن كما في أوقات الفرح، وعند بدء حديثك أو حوارك، وكذلك عند ختامه. وبذلك يعتاد لسانك على الحمد في مختلف أحوالك، حتى يغدو عادةً حيةً ملازمةً لوعيك، لا يفارقك في سرّاء ولا ضرّاء.
استشعر الحمد عندما ترى أمراً جميلاً:
عندما تقع عيناك على أمرٍ يسرك (بحر، جبل شاهق، إنسان ملهم، الخ)، قل الحمد لله على وجود هذا! سيساهم ذلك في تعميق حالة الحمد لديك.
تحويل الشكوى إلى وعي:
كلما انتبهت لنفسك - أو نبهك أحدهم - بأنك تتشكي، توقف عن التشكي على الفور، وابحث عن الوجه الإيجابي (المعنى) الذي يستحق الحمد في الموقف نفسه، فتعيد توجيه نظرتك بدل الاستغراق في التسخّط/التألم.
مثال: كنتَ عالقًا في زحمة السير وبدأت تتذمر: "يا له من يوم سيئ! دائمًا أتأخر بسبب هذا الطريق!" ثم انتبهت لنفسك (أو نبهك أحد): توقف فورًا عن التشكي. بدل ذلك، أعد توجيه نظرتك وقل:
"الحمد لله، لدي وقت إضافي أستمع فيه لشيء مفيد. وربما هذه الزحمة أبعدتني عن أمر سيئ لم أكن أعلمه."
تمرين ترجيح النعم على التحديات:
فكّر في بعض أهم النعم الموجودة في حياتك مثل: الإيمان، الصحة، الأهل، القدرة على التعلم...الخ، وتخيَّل هذه النِّعم مجتمعةً دائماً على يدك اليُمنى، ترافقك أينما ذهبت.
وعندما تمرّ بألمٍ أو إشكال، تخيَّل أنه موضوعٌ في يدك اليسرى. ثم خاطب نفسك بوعي، رافعًا يدك اليُمنى: "نِعَمي أكبرُ بكثيرٍ من ألمي".
ستجد أن ما أثقلك بدأ يخف، معززاً شعور الحمد لديك.
إظهار الحمد في حديثك اليومي:
عندما يسألك أحدٌ عن حالك، فقل: "الحمد لله" بيقينٍ ونبرةٍ واثقةٍ تنبع من أقصى جوفك، مستشعراً نعم الله في داخلك ومن حولك. دع هذه الكلمة تخرج معبّرةً عن شعورٍ صادق، لا مجرد عادةٍ تُقال، فتنعكس على نفسيتك إيجاباً، ويغدو لقاؤك بالآخرين مفعماً بالحفاوة والحيوية.
لا يشكر الله من لا يشكر الناس:
إن الشكر الصادق لمن أسدى إليك معروفاً يُعزِّز في نفسك خُلُق الحمد ويُنمّيه. لذا تذكَّر أن تُكثر من قول "شكراً" لكل من قدَّم لك معروفاً، بدءاً بوالديك، تقديراً لفضلهم واعترافاً بجميلهم. فبذلك يجتمع في قلبك شكر الخالق وحمده، مع شكر المخلوقين والإحسان إليهم.
تحويل الحمد إلى سلوك عملي:
وذلك بأن تترجم الحمد إلى أفعال، فحمد الله على نعمة العلم يكون بتعليمه، وحمد الله على نعمة المال بالصدقة، وحمد الله على نعمة الصحة بخدمة الآخرين...الخ.
اكتب مذكرات الحمد بشكل يومي:
في دفتر مذكرات خاص بك، خصِّص وقتاً يوميّاً - ولو لخمس دقائق - لتدوين نعمةٍ واحدةٍ تستشعر أثرها في حياتك. ثم اكتب، ولو بإيجاز، كيف أثَّرَتْ هذه النعمة على حياتك. فهذه الممارسة البسيطة - ولكن المهمة - تُنمّي وعيك بالنِّعم، وتُرسِّخ في قلبك معنى الحمد والشكر، وتجعلهما حاضرَين في تفاصيل يومك.
استخدم التنبيهات اليومية:
حدِّد تنبيهاتٍ على هاتفك المحمول، أو استخدم أحد التطبيقات، لتذكيرك بممارسة الحمد بشكلٍ مستمر خلال يومك. واجعل هذه التنبيهات في أوقاتٍ متفرّقة، حتى تتجدّد صلتك بالحمد، ويظل حاضراً في وعيك وسلوكك، لا يغيب عنك مع انشغالات الحياة.
عمل مجموعة "يوميات الحمد" عبر وسائل التواصل الاجتماعية:
من المفيد الاتفاق مع "قريب/صديق" أو مع "مجموعة عائلية/أصدقاء" وتكوين مجموعة عبر الواتس مثلاً، بحيث تتشاركون يوميات الحمد لله ويدعمُ بعضكم البعض في مساركم نحو تعزيز الحمد لله في الحياة اليومية.
ـــــــ
وحتى حلقتنا القادمة بإذن الله، عش بالحمد !




