في أول لحظات التعارف، غالبًا ما ينصب تركيزنا على مهنة الشخص أكثر من شخصيته. ليصبح سؤال "ماذا تعمل؟" بوابة أولى لتقييم سريع نصنّف به الآخرين على سلم غير مرئي، ونقرر دون وعي من يستحق التقدير ومن يُترك على الهامش. هكذا، تختزل قيمة الإنسان في رقم راتب أو مسمى وظيفي لامع، بينما تغيب خلف ذلك حياة كاملة مليئة بالتجارب والمحاولات والجهد غير المرئي، وأيام ثقيلة لا تُكتب في أي سيرة ذاتية
ولعلنا لو توقفنا قليلًا أمام هذا السؤال لوجدنا أن الوظيفة ليست إلا جانبًا واحدًا من مكونات الهوية الإنسانية، فهناك من يترك بصماته في العلم أو الأدب أو العمل التطوعي أو الإنجاز الشخصي، دون أن يكون له مسمى وظيفي لامع. تقول الكاتبة البريطانية دوريس ليسينغ: " الناس لا يُعرَفون بما يملكون أو يعملون، بل بما أصبحوا عليه"، وهذه الحكمة تلخص جوهر الفكرة بأن الإنسان أكبر من مهنته أو دوره الاجتماعي
أصبحنا نمنح الاحترام للمهنة قبل الإنسان، ونعيد تقييم الشخص نفسه إذا تغير موقعه الوظيفي، وكأن القيمة تُكتسب من الخارج لا من جوهر الإنسان ومعناه الداخلي. أشار ماكس فيبر إلى أن المكانة الاجتماعية تُبنى على التقدير والاعتراف، لا على المال وحده، لكن هذا المفهوم انكمش اليوم ليُختصر في وظيفة وراتب، كأن الإنسان يمكن تلخيصه في سطر واحد.
في سباق البحث عن المكانة، يتجلى قلق خفي يدفع الإنسان للسعي الدائم، ليس طموحًا فحسب، بل خوفًا من أن يظهر أقل أو يفقد مكانته في أعين الآخرين. عبّر الأدب عن هذا بوضوح، ففي قصة “المسخ”، لم يتحول غريغور سامسا إلى حشرة فحسب، بل تبدلت مكانته في العالم. كان عماد أسرته، يعمل بصمت ويوفر لهم الاستقرار، فكانت قيمته واضحة، لكن حين فقد قدرته على العمل تلاشت تلك القيمة سريعًا، ولم تعد إنسانيته أو تاريخه أو عطاءه السابق كافيًا، وتراجع حضوره حتى أصبح عبئًا يتجنبه. وكأن كافكا يضع لنا مرآة ليقول: ربط قيمة الإنسان بوظيفته يجعل فقدان العمل خسارة للمكانة وربما للذات
هذه ليست مبالغة أدبية، فدراسات علم النفس الاجتماعي تبين أننا نقيس أنفسنا باستمرار من خلال الآخرين، خاصة فيما يتعلق بالدخل والمهنة. ومع تكرار هذا القياس، لا نحدد موقعنا فقط، بل نعيد تشكيل شعورنا بقيمتنا، ولهذا لا ينتهي القلق بالوصول بل يتحول إلى خوف من التراجع، ومقارنة لا تهدأ، وسباق بلا خط نهاية واضح. نركض كثيرًا دون أن ندرك الهدف. العمل ضرورة والمال يوفر الاستقرار، لكن الخلل يبدأ حين يصبحان المعيار الوحيد والمرآة الوحيدة والتعريف الكامل للإنسان
مع أن الإنسان في جوهره أوسع من وظيفة وأعمق من رقم، وأبقى من أي مسمى عابر. ربما لم يكن السؤال يومًا بريئًا كما ظنناه، وربما آن الأوان أن نعيد صياغته لا كمدخل للتصنيف، بل كفرصة حقيقية للتعرف: من أنت بعيدًا عن كل ذلك ؟




