لم تكن "رؤية المملكة 2030" التي أطلقها في (25) أبريل 2016م صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء - حفظه الله- مجرد "خطة تنموية"، بل "معجزة اقتصادية" غيرت وجه المملكة وحولتها من اقتصاد معتمد كلياً على النفط إلى منصة استثمارية عالمية رائدة، وهو الأمر الذي ثبت عملياً ونحن نحتفل هذه الأيام بالذكرى العاشرة لانطلاق "الرؤية".
وبتحليل دقيق ومكثف لـ "رؤية 2030" من منظور اقتصادي، نجد أنه لعقود طويلة كان الاقتصاد السعودي متأثراً بتقلبات أسعار النفط، وهو ما يُعرف اقتصادياً بـ "المرض الهولندي". ثم جاءت الرؤية لتكسر هذه الحلقة المفرغة عبر استراتيجية تنويع القاعدة الإنتاجية.
ولأول مرة في تاريخ المملكة، شهدنا وصول الأنشطة غير النفطية إلى مستويات قياسية، حيث ساهمت بأكثر من 50% من الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي، وهو ما يعكس نجاح سياسة التنويع.
كما تضاعفت الإيرادات الحكومية غير النفطية بشكل هائل، مما منح الميزانية العامة مرونة عالية في مواجهة الأزمات العالمية، مثل الجوائح أو اضطرابات سلاسل الإمداد.
ومن ناحية أخرى، لا يمكن الحديث عن العقد الأول لـ "رؤية 2030" دون ذكر "صندوق الاستثمارات العامة"، والذي تحول من صندوق محلي محدود الأثر إلى عملاق استثماري يدير أصولاً تريليونية.
أما على صعيد المشاريع الكبرى، فحدث ولا حرج، إذ مثلت مشاريع (مثل: نيوم، البحر الأحمر، والقدية) مختبرات حية لاقتصاد المستقبل، حيث تم دمج التقنية والاستدامة لخلق قطاعات جديدة بالكامل.
كذلك، نجح الصندوق في نقل المعرفة وتوطين صناعات متقدمة كصناعة السيارات الكهربائية (لوسيد، وسير) والطاقة المتجددة، مما يعزز سلاسل القيمة المحلية.
أيضاً، شهد العقد الماضي ثورة في مفاهيم العمل داخل المجتمع السعودي. لم تعد الوظيفة الحكومية هي الغاية الوحيدة، بل أصبح القطاع الخاص هو المحرك الأساسي للتوظيف.
إلى ذلك، حققت "الرؤية" قفزة نوعية بتجاوز مستهدفات مشاركة المرأة في سوق العمل قبل وقتها المحدد، حيث بلغت النسبة أكثر من (35%)، مما أدى إلى زيادة القوة الشرائية وتحفيز الاستهلاك المحلي.
فيما انخفضت معدلات البطالة بين السعوديين إلى مستويات تاريخية تقترب من مستهدفات الرؤية النهائية (7%)، بفضل برامج التدريب والتأهيل والمواءمة مع متطلبات السوق الحديث.
ولا ننسى ما قامت به المملكة من إصلاح للمنظومة التشريعية والقانونية لخلق بيئة جاذبة للمستثمر الأجنبي، فالمملكة اليوم لم تعد وجهة لتصدير النفط فحسب، بل هي وجهة لتصدير الفرص الاستثمارية والابتكار الرقمي.
وبفضل الرقمنة الشاملة للخدمات الحكومية، تصدرت المملكة مؤشرات التنافسية العالمية. كما نجحت مبادرة جذب المقرات الإقليمية للشركات العالمية في جعل الرياض مركزاً مالياً وإدارياً لمنطقة الشرق الأوسط، مما ضخ سيولة أجنبية جديدة في شريان الاقتصاد.
ورغم النجاحات الباهرة، لم يكن الطريق مفروشاً بالورود، إذ واجه الاقتصاد السعودي تحديات كبرى، من تقلبات جيوسياسية إلى ضغوط تضخمية عالمية. ومع ذلك، أثبتت "الرؤية" أنها تمتلك مرونة عالية؛ حيث تم تعديل بعض الخطط والمستهدفات لتواكب المتغيرات، مما يعكس نضجاً في الإدارة المالية الحكومية.
ونحن في عام 2026م، وعلى أعتاب السنوات الأربع الأخيرة من العقد المستهدف، تبدو الصورة واضحة اقتصادياً بالمملكة من حيث:
- التحول نحو الطاقة الخضراء عبر مبادرة "السعودية الخضراء"
- تحويل المملكة إلى منصة لوجستية تربط القارات الثلاث.
- جودة الحياة، والتي تحولت من رفاهية إلى ضرورة اقتصادية لجذب المواهب العالمية.
وأخيراً.. إن الذكرى العاشرة لـ "رؤية 2030" ليست مجرد احتفال بأرقام ومنجزات، بل هي تأكيد على أن الإرادة السياسية عندما تلتقي مع التخطيط العلمي والروح الطموحة للشباب، يمكنها إعادة صياغة التاريخ.
ــــــــــــــــــــــ
*رائد أعمال ومستثمر.




