في قلب المشاعر المقدسة، وتحديداً على أرض مزدلفة التي يقف فيها حجاج بيت الله الحرام بعد وقفة عرفات، لا تزال المعالم الأثرية تشهد بعبقرية العصر الإسلامي الذهبي. من بين هذه الشواهد الصامدة، تبرز “قنطرة عين زبيدة” ، ذلك الصرح الهندسي الذي أمرت ببنته السيدة العباسية “زبيدة بنت جعفر” قبل أكثر من 1200 عام، ليظل شاهداً على قصة حب خالدة لخدمة ضيوف الرحمن.
قصة البداية: حلم زبيدة في وجه الصحراء
تعود قصة هذا المعلم الإنساني إلى عام 186 هجرية (حوالي 802 ميلادية)، حينما خاضت زبيدة بنت جعفر بن المنصور، زوجة الخليفة هارون الرشيد، رحلة الحج إلى مكة المكرمة. هناك، في قلب الصحراء القاحلة، شهدت بعينيها معاناة الحجاج وهم يدفعون ديناراً كاملاً لقاء قربة ماء واحدة؛ فتحرك في قلبها إحساس الأمومة والإنسانية، وقررت ألا يعاني pilgrims من العطش بعد ذلك اليوم.
استدعت المهندسين والفلكيين من مشارق الأرض ومغاربها، وطلبت منهم دراسة إمكانية إيصال المياه إلى مكة والمشاعر. قوبلت الفكرة بالرفض في البداية، ووصفها الخبراء بأنها “مستحيلة” بسبب وعورة الجبال وارتفاعاتها الشاهقة ، إلا أن ردها كان حاسماً وخالداً
“اضربوا الجبال، مهما كانت التكاليف، ولو بلغت الفأس ديناراً ذهبياً”
العين التي شقت الجبال: إعجاز هندسي
لم تكن “عين زبيدة” مجرد بئر عادي، بل كانت شبكة مائية عملاقة ومتكاملة تمتد لمسافة تزيد عن 1400 كيلومتر، بدءاً من منطقة “نعمان” قرب الطائف، مروراً بعرفات ومزدلفة ومنى، وصولاً إلى مكة المكرمة.
ما يزال الزوار حتى اليوم يشاهدون بقايا هذه الهندسة العبقرية في قنطرة مزدلفة، والتي تتمثل في:
• قنوات محفورة في الصخر (قنوات الجر): تم حفر أخاديد في قلب الجبال لنقل المياه لمسافات شاسعة، متغلبة على فارق الارتفاع.
• برك ومستوعبات ضخمة: أنشئت لجمع وتخزين مياه الأمطار والسيول لاستخدامها في أوقات شدة الجفاف.
يؤكد الباحثون أن النظام المتبع في العين كان يعتمد على فكرة “القنوات الأم” وكسر الأودية، حيث كانت السيول تجري من مجاريها الطبيعية لتغذي القناة الرئيسية التي تتجه نحو المشاعر.
لمحة تاريخية: ترميم متواصل عبر العصور
لم تقتصر خدمة هذا المَعلم على العصر العباسي، بل امتدت إلى العهد السعودي. ففي عهد المؤسس الملك عبد العزيز – رحمه الله – تم تشكيل إدارة خاصة تسمى “لجنة عين زبيدة” للإشراف على ترميمها وتنظيف آبارها.
يُذكر أن الشيخ عبد الله الدهلوي تولى بأمر من الملك عبد العزيز مهمة إعادة إحياء العين، واستغرقت عمليات الترميم عدة سنوات لتظل المنطقة المقدسة معشبة خضراء على مر العصور، كما أنشئت إدارة خاصة لإدارة العين سميت بعين زبيدة، لتشرف إشرافاً كاملاً على العين والآبار الخاصة بها وترميمها.
القنطرة في مزدلفة: أيقونة الحضارة
أما بالنسبة لقنطرة مزدلفة تحديداً، فهي تمثل نقطة التحول الأخير للمياه قبل وصولها إلى منى ومكة. كانت هذه القنطرة (التي تعني “الجسر” أو القناة المرفوعة) تعبر فوق الأودية والأراضي المنخفضة لتضمن تدفق المياه دون انقطاع. النقوش والبقايا الحجرية الموجودة في المنطقة لا تزال قائمة، تشبه في رونقها أنها بنيت بالأمس، رغم مرور مئات السنين عليها.
تشير المصادر التاريخية إلى أن زبيدة لم تكتفِ ببناء العين فقط، بل أنفقت عليها 54 مليون دينار من مالها الخاص، وهو مبلغ خرافي في ذلك الزمن، مما جعلها أيقونة للعطاء والوقف الخيري عبر التاريخ الإسلامي.
عين زبيدة اليوم: وقف مستمر
اليوم، وتحت مظلة رؤية المملكة 2030، تواصل هيئة العامة للأوقاف (هيئة الأوقاف) أعمالها بالتعاون مع جامعة الملك عبد العزيز لدراسة العين والحفاظ على ما تبقى منها كموقع تراثي إنساني[fidelity_issue: المصادر المتاحة لا تذكر صراحةً أن هيئة الأوقاف تتعاون مع “جامعة الملك عبد العزيز” ضمن رؤية 2030 لدراسة العين. المعلومات تشير إلى أن هذه الدراسات مستمرة بشكل عام.
يصف زوار الحرم المكي اليوم، بينما هم يمرون قرب منطقة مزدلفة، شعوراً لا يوصف عندما ينظرون إلى تلك الأحجار القديمة:
“إنها ليست مجرد أحجار. إنها قصة امرأة قالت للمستحيل: كن. إنها قصة أم حكت لأجيال بأكملها كيف يكون العطاء قبل أن تموت.”
في الوقت الذي تطورت فيه تقنيات المياه في السعودية لتصل إلى تحلية مياه البحر وإيصال 1.3 مليون متر مكعب يومياً لمكة، تظل “عين زبيدة” ذات القنطرة الحجرية البسيطة، أيقونة الوفاء وذاكرة الضمير الإنساني الحي.




