مع بدء انفراجة أشهر الصيف، وتلاشي آخر برد الشتاء، تتنفس مزارع الطائف الصباح الباكر عبقاً فريداً، وتزدان أشجار المشمش بحُلي الطبيعة، معلنةً عن قرب موسم قطاف كنزها السنوي .
المشمش الطائفي، ذائع الصيت، صاحب الخدّين الأحمرين.
في مشهد يتجدد كل عام، أزهرت بساتين المشمش في أودية الطائف واكتست بزهير الأبيض الذي يعرف محلياً باسم «الفضيض»، إيذاناً بانتهاء فصل الشتاء واستباقاً لموسم يجذب إليه العشاق من كل مكان. وفي تفاصيل الموسم الحالي، يُتوقع أن يبدأ قطاف الثمار خلال العشر الأواخر من شهر ذي القعدة، فيما يتأخر نضج بعض الأصناف الأخرى حتى تُصادف حلول عيد الأضحى المبارك، ليكون طقساً صيفياً بامتياز على موائد الأسر والزوار.
«أبو خدين».. سر التسمية ومذاق لا يُقاوم
لا يطلق أهالي الطائف على هذا النوع من المشمش اسماً عابراً، بل يسمونه «أبو خدين»، كناية عن اللون الأحمر المتوهج الذي يعلو خدي الثمرة عند اكتمال نضجها. وهذا اللون ليس وليد الصدفة، بل يعود – بحسب الخبراء والمزارعين القدامى – إلى عذوبة مياه الطائف وخصوبة تربتها، التي تمنح الثمرة مذاقاً سكرياً فريداً وفواحة عطرية لا توجد في أي مشمش آخر، ليجمع بين حلاوة الطعم وجمال المنظر.
9 أودية ومراكز.. مملكة المشمش في الطائف
لا تقتصر زراعة المشمش على بقعة واحدة، بل تمتد رقعة زراعته لتشمل معظم أودية الطائف الخصبة، وفي مقدمتها:
– أودية: البني، الغديرين، محرم.
– مراكز وبلاد: قريش، بني مالك، ثقيف، الحارث، بني سعد، ثمالة، وليه، إضافة إلى المصاعد السياحية مثل **الهدا والشفا**.
وتبرز مراكز جنوب الطائف (بني سعد، ميسان، ثقيف، وبني مالك) كمناطق إنتاج رئيسية، حيث تساهم بما يزيد عن نصف إنتاج المحافظة من الفواكه الموسمية، وذلك لتوفر العوامل الطبيعية الناجحة من تربة خصبة ومياه غزيرة نسبياً.
مواسم لا تُنسى.. ومفاجأة في الأسعار
يُمثل مشمش الطائف مقصداً رئيسياً لزوار المحافظة والمصطافين فيها، الذين لا يكتفون بتذوقه طازجاً، بل يحرصون على شرائه لإهدائه للأهل والأصدقاء، سعياً وراء ذلك المذاق الطائفي الأصيل.
وتشهد أسواق الطائف والهدا حركة تجنن نشطة مع بداية الموسم، حيث تكون الأسعار مرتفعة في الأيام الأولى، وقد يصل سعر الكرتون الواحد (5-10 كجم) إلى 200 ريالاً، لتنخفض تدريجياً مع منتصف الموسم وزيادة المعروض، ويستقر سعر الكرتون بين 30و 45 ريالاً تقريباً، حسب الجودة والحجم ودرجة النضج.
الموسم قصير لكنه كثيف؛ إذ يمتد لمدة تتراوح بين 40 و45 يوماً، يبدأ من منتصف مايو وينتهي بنهاية يوليو، مما يمنح الأهالي والزوار فرصة الاستمتاع بطعم المشمش الطازج والاستفادة من قيمته الغذائية العالية.
سر الجودة: «ملوحة الماء»
في معلومة علمية شيقة، يُعزى سبب التفاوت في جودة المنتج بين مزرعة وأخرى إلى درجة ملوحة المياه المستخدمة في الري فكلما انخفضت درجة الملوحة (لتتراوح بين 400 و900 جزء في المليون)، كان المحصول أوفر والنوعية أفضل، ليكتسب «أبو خدين» لونه الأحمر الزاهي ونكهته السكرية الفريدة.
خدمات حكومية متكاملة لدعم المزارعين
لم يترك الجهات المعنية الأمر للمصادفة؛ فهناك منظومة زراعية متكاملة تشرف على هذا الكنز الوطني.
في هذا السياق، أوضح مدير فرع وزارة البيئة والمياه والزراعة بمحافظة الطائف، المهندس هاني القاضي، أن الفرع يقدم حزمة خدمات متخصصة لمزارعي الفاكهة عموماً والمشمش خصوصاً، تشمل:
1. إنتاج شتلات متميزة: يتم إنتاج شتلات الفاكهة في المشاتل التابعة للفرع، بعد اختيار عقلها من أفضل المزارع المتميزة بالمحافظة، وتوزع على المزارعين بعد عام واحد من الزراعة.
2. إرشاد ميداني مستمر: يقوم المهندسون والمختصون بجولات ميدانية على المزارع، خاصة في أوقات التقليم والتسميد وتحديد أوقات الري، وتلافي الملحوظات فور رصدها.
3. مكافحة الآفات: تشخيص الأمراض والآفات التي تصيب أشجار الفاكهة، ومكافحتها عبر فرق الوقاية، مع تحديد الوقت المناسب لعملية الرش.
4. ترشيد استهلاك المياه: توعية المزارعين بأهمية استخدام أساليب الري الحديثة، للمساهمة في خفض استهلاك المياه ورفع كفاءة الإنتاج.
5. خدمات إدارية: إصدار شهادات تأييد للعمالة الزراعية، ما يُنظم عمل القطاع ويُسهل على المزارعين.
خلاصة القول
يبدو أن موسم المشمش الطائفي لهذا العام يحمل بشائر الخير والجودة، ويُنتظر أن يشهد إقبالاً واسعاً كما في كل عام، ليبقى هذا الثمر الأحمر الخدين عنواناً لأصالة الطائف وجودة منتجها الزراعي.




