في أوقات الفقد، لا نحتاج إلى تعريف المشاعر، فالحزن يسبق كل شيء، ويعلن حضوره بصمتٍ موجع ، القلب يعرف طريقه إلى الألم، والدمع يعرف طريقه إلى العين، حتى قبل أن نبحث عن الكلمات ، عند فقدان عزيز، تنكشف القلوب على حقيقتها، وتظهر المشاعر كما هي: صادقة، خالصة، لا تجيد التمثيل ولا تعرف المجاملة.
المواساة في مثل هذه اللحظات ليست عبارة تُقال، بل إحساس يُعاش. هي حضور يشعر بك قبل أن يتحدث إليك، ودعاء صادق يخرج من قلبٍ موجوع ليخفف عن قلبٍ موجوع. لذلك تصل المواساة الصادقة إلى القلب سريعًا، لأنها خرجت من القلب أولًا.
محبة الناس في وقت الحزن نعمة عظيمة، لا نعرف قيمتها الحقيقية إلا حين ننكسر. حين نفقد، نكتشف من معنا بصدق، ومن يحمل همّنا وكأنه همّه ، ندرك أن المشاعر الصادقة لا تُشترى، ولا تُطلب، بل تُمنح من الله لمن أحبّهم وأحبّوه. ونسأل الله أن لا يُري أحدًا مكروهًا في عزيز لديه، وأن يحفظ الجميع من ألم الفقد وقسوته.
حتى الشكر في هذه اللحظات يختلف ، هو ليس مجاملة، ولا ردّ جميل عابر، بل امتنان حزين، يخرج من قلبٍ مثقلٍ بالأسى، يعرف جيدًا من وقف معه في ساعة الوجع ، فالإنسان قد ينسى كثيرًا من مظاهر الفرح، لكنه لا ينسى أبدًا من شاركه حزنه، ومن مسح عن قلبه شيئًا من الألم.
المشاركة في الأفراح جميلة، لكنها لا تترك الأثر الذي تتركه المشاركة في الأحزان. فالعزاء الصادق يبقى، وصورة المواساة لا تُمحى، وكلمات العزاء الصادقة تعيش مع الإنسان ما عاش ، هي ذكريات مؤلمة، لكنها نبيلة، تذكرنا بأننا لم نكن وحدنا في لحظة الانكسار.
عرفت هذا الشعور جيدًا حين فقدت أعزاء، في مقدمتهم والدي العزيز، رحمه الله ، كان الفقد ائنذاك قاسيًا، والفراغ أكبر من أن يُملأ. واليوم يتجدد الوجع، ونفقد واحدة من رائحته، عمتي العزيزة. فقدها أعاد الحزن إلى القلب، وأيقظ الذاكرة، وذكّرنا بأن الفقد لا يشيخ، وأن الألم وإن هدأ، لا يختفي.
نسأل الله أن يرحمها رحمة واسعة، وأن يغفر لها، ويحسن إليها، وأن يجعل مثواها الجنة، وأن يربط على قلوبنا، ويرزقنا الصبر والسلوان.
وما نقول إلا ما قاله المؤمنون عند المصيبة: ﴿إنا لله وإنا إليه راجعون﴾.




