لا تُبنى النجاحات التنظيمية العظيمة على الصدفة أو الارتجال، بل تُؤسس على التخطيط العلمي والرصد الدقيق، حيث تكون لغة الأرقام هي الشاهد الأصدق والأدق على هذا التميز. وتقدم البيانات التشغيلية لأداء العمرة خلال شهر جمادى الآخرة 1447هـ نموذجًا بارزًا لهذا النهج، محولةً إدارة الحشود في المسجد الحرام من اعتماد على الانطباعات العامة إلى استرشاد بمؤشرات زمنية دقيقة، تعكس تطورًا نوعيًا في الأداء والكفاءة.
تكشف البيانات الميدانية صورة واضحة لرحلة المعتمر، حيث بلغ متوسط زمن أداء مناسك العمرة كاملة (شاملًا الطواف والسعي والتنقل) 117 دقيقة فقط. هذه النتيجة تبدو أكثر إشراقًا عندما تُقرأ في إطارها الطبيعي من الكثافة البشرية الهائلة وضرورات السلامة وقدسية المكان.
وفي التفاصيل، نجد أن متوسط زمن أداء الطواف كان 46 دقيقة، تم تنفيذ 94% منها داخل صحن المطاف الرئيسي. هذه النسبة العالية لا تعكس مجرد انسيابية حركة الحشود، بل هي مؤشر حاسم على نجاح استراتيجية التوزيع الذكي والاستغلال الأمثل للمساحات الأكثر حساسية في الحرم، مما يقلل من التزاحم في المناطق المحيطة.
أما السعي، فقد استغرق في المتوسط 51 دقيقة، مع تنفيذ 64% منه في الدور الأرضي للمسعى. هذا الرقم يُظهر توازنًا مدروسًا في توزيع الحشود بين الطوابق، يحقق سلاسة الحركة دون إفراغ في القدرة الاستيعابية لأي مسار، مما يحافظ على استدامة البنية التحتية التشغيلية.
ولم يغفل المنظمون حساب زمن الانتقال بين المناسك، حيث استغرق الانتقال من الساحات إلى المطاف 10 دقائق، ومثلها من المطاف إلى المسعى. هذا التوقيت المحسوم يعالج تحديًا تاريخيًا يتعلق بهدر وقت المعتمر خارج نطاق النسك، لتحويل كل لحظة في رحلته إلى قيمة روحانية أو عملية.
لا تقودنا القراءة الموضوعية لهذه المؤشرات إلى مجرد الإعجاب بالأرقام، بل إلى استخلاص حكمة تنظيمية أساسية ، لم تعد إدارة الحشود في المسجد الحرام رد فعلٍ للازدحام، بل تحولت إلى علم قائم على التخطيط الاستباقي، والرصد الميداني الحي، والتحليل الزمني المستمر. لقد تجاوزت نموذج "المعالجة اللحظية" إلى بناء "نموذج تنبؤي" يستشرف التحديات ويصمم الحلول قبل ظهورها.
وهذا التحول لم يكن ليتحقق لولا العمل المؤسسي المتكامل والمنسجم. فجهود وزارة الحج والعمرة في التخطيط الشامل، والهيئة العامة للعناية بشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي في الإدارة التشغيلية للمساحة المقدسة، والجهات الأمنية في توجيه الحشود والحفاظ على النظام، إلى جانب الفرق الميدانية والخدمية التي تنفذ بكل تفانٍ، تشكل معًا نسيجًا متكاملًا يضمن سلامة ضيوف الرحمن ويقدم لهم تجربة عمرة مطمئنة وسلسة.
هذا النجاح التنظيمي لا يقتصر أثره المباشر على راحة المعتمر في موسم بعينه. إنه يخلق إرثًا ثمينًا من قواعد البيانات التشغيلية التاريخية والزمنية. هذه القاعدة أصبحت رصيدًا استراتيجيًا يمكن البناء عليه لتطوير نماذج محاكاة أكثر دقة، ودعم قرارات التطوير المستقبلية، ورفع كفاءة المنظومة بأكملها في جميع المواسم، بما فيها موسم الحج الأكثر تعقيدًا.
في الختام، يؤكد هذا النموذج أن تنظيم العمرة الناجح لا يعني اختزال التجربة في أرقام جافة، بل هو في حقيقته حماية لعمقها الروحي من تشويش الازدحام وسوء التدفق. وعندما تُدار هذه التجربة بمعايير قابلة للقياس والتحسين، يصبح التنظيم الهادئ والمدروس نفسه شكلاً من أشكال تعظيم الخدمة وإكرام الضيف.
وفي ظل الزيادة العالمية المتوقعة في أعداد الراغبين في أداء العمرة، يبرز هذا النموذج كدليل عملي على حقيقة مؤسسية راسخة .
اخيرا :-
التنظيم المتقن ، حين يستند إلى بيانات رصينة وعمل مؤسسي متكامل، يعتبر أعلى درجات الكفاءة وأكثر أشكال الإدارة استدامة وأثرًا.




