لم يعد "الطلاق" في مجتمعنا السعودي مجرد قرار شخصي بين زوجين، بل تحوَّل إلى ظاهرة اجتماعية ذات تداعيات اقتصادية وتربوية بعيدة المدى. تشير أحدث البيانات إلى تسجيل 57,595 حالة طلاق خلال النصف الأول من عام 2025، بمعدل ينذر بالخطر يقارب 157 حالة يومياً. هذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات، بل هي مؤشر على تحوُّل عميق في بنية الأسرة السعودية، يستدعي وقفة جادة من جميع أطراف المجتمع.
جذور الأزمة: عندما يسبق "يوم العمر" مستقبل الأسرة .
تبدأ المعاناة قبل الزواج نفسه. فالمغالاة في المهور، وتكاليف الحفلات الباهظة، ومتطلبات السكن المرتفعة، تتحول إلى عبء مالي ثقيل يدفع كثيراً من الشباب إلى الدخول في ديون قد تمتد لسنوات. والنتيجة؟ بدلاً من أن تكون السنوات الأولى للزواج مرحلة تأسيس واستقرار، تتحول إلى همّ مالي دائم يزيد الضغط النفسي على العلاقة الزوجية الناشئة.
وفي ظل غياب التخطيط المالي والتهيئة الواقعية للحياة الزوجية، تصبح قدرة الأسرة الجديدة على تجاوز الخلافات الطبيعية محدودة للغاية، مما يجعل الانفصال يبدو وكأنه المخرج الأسهل.
التداعيات آثار تمتد إلى المجتمع بأكمله
تتجاوز آثار الطلاق حدود المنزل لتمس نسيج المجتمع كله ، اقتصادياً تحول دخل أسرة واحدة إلى نفقتين منفصلتين، مع تكرار مصاريف السكن والخدمات، مما يضعف القدرة الادخارية للطرفين ، اما اجتماعياً تضاعف العبء على المحاكم وخدمات الضمان الاجتماعي وبرامج الدعم السكني
والجانب التربوي له تأثير مباشر على الاستقرار النفسي والتعليمي للأبناء، مما ينعكس سلباً على جودة رأس المال البشري مستقبلاً .
وهكذا يتحول الطلاق إلى عبء اقتصادي خفي يرفع تكلفة الرعاية الاجتماعية للدولة، حتى لو لم يظهر مباشرة في المؤشرات الاقتصادية التقليدية.
الوقاية قبل العلاج: أين تكمن الفجوة؟
رغم الجهود الكبيرة في مجال الإصلاح الأسري، لا تزال معظم البرامج تركز على معالجة الأعراض بعد وقوع الطلاق، أكثر من معالجة الأسباب التي تؤدي إليه. فبرامج الإعداد للزواج غالباً ما تقدم نصائح عامة، دون تعمق كافٍ في مهارات إدارة الدخل الأسري، والتخطيط المالي الواقعي، وبناء توقعات متوازنة للحياة الزوجية.
كما تساهم بعض الممارسات الاجتماعية، التي تحوّلت إلى منافسة في المظاهر والإنفاق، في رفع تكلفة الزواج إلى مستويات غير معقولة، مما يقوّض استدامته من البداية.
نحو حلول عملية: مقاربة متكاملة معالجة هذه الظاهرة تتطلب انتقالاً من الخطاب العاطفي إلى استراتيجية عملية متكاملة لابد من تشجيع نماذج الزواج
" الميسَّر" بوصفها خياراً حضارياً وواعياً، وليس تنازلاً.
مع اهمية ربط برامج الدعم الحكومي بمعايير الاستدامة الأسرية، وليس فقط بالحالة الاجتماعية
أهمية تعزيز الوساطة الأسرية المبكرة كخط دفاع أول يقلل من حدة النزاعات
من المهم إعادة ضبط الخطاب المجتمعي حول مفهوم الكرم، ليرتبط بالحكمة والاستقرار لا بالتبذير
أهمية تعميم برامج التثقيف المالي للمقبلين على الزواج كمتطلب أساسي
الأسرة أصل تنموي وليس مجرد وحدة اجتماعية . فإن ارتفاع معدلات الطلاق لا يمثل مجرد أزمة أسرية، بل هو تحدٍ تنموي حقيقي يؤثر على مستقبل المجتمع كله. فالأسرة المستقرة ليست مجرد قيمة اجتماعية نبيلة، بل هي أصل تنموي طويل الأمد، واستثمار في تماسك المجتمع ورفاهيته.
أخيرا:-
التحدي الذي يواجهنا اليوم هو الانتقال من ثقافة "يوم العمر" الباهظ التكلفة، إلى ثقافة "عمر كامل" من الاستقرار والبناء المشترك. وهذا يتطلب تضافراً حقيقياً بين الأسرة، والمجتمع، والمؤسسات الحكومية والأهلية.
فهل نبدأ من اليوم؟




