حضرتُ بالامس أمسيةً لم تكن مجرّد إلقاء شعر، بل كانت لحناً يُعزف على أوتار المشاعر، قدّمه الشاعر المبدع الصديق سلمان المطيري، الذي طرز أمسيته المعنونة بـ "شذى القصيد" بإبداعٍ رفيع وحِرفةٍ شاعرية لافتة.
منذ اللحظة الأولى، بدا (سلمان) .. واثقًا من أدواته، ممسكًا بناصية الحرف، يقدّم نصوصه بوعيٍ عميق بذائقة الحاضرين، ويجيد التنقّل بسلاسة بين العاطفي والإنساني دون افتعال أو تكلّف. راعى اختلاف الأذواق، فكان بين الحضور الفنان التشكيلي، والإعلامي، والسيدات المرهفات الإحساس، وزملاء القافية، فاستطاع بحنكةٍ متناهية أن يلامس وجدان الجميع، وأن يصنع حالة شعرية جامعة، يشعر فيها كل مستمع أن القصيدة كُتبت له وحده.
أداؤه كان مبهرًا إلى أبعد حد. حضوره الآسر، وطريقة إلقائه، وهيئته الأنيقة، كل ذلك صنع حالة من الانسجام الكامل بين الشاعر ونصه والجمهور. قضينا وقتًا طويلًا في رحاب الكلمة، ولم نشعر بانقضاء الدقائق، وكأن الزمن توقّف احترامًا لجمال اللحظة.
أعرف (المطيري) .. بحكم زمالتنا السابقة في المشاركة بمعارض الكتاب، حيث كنّا نلتقي ضمن عارضين يحمل كلٌّ منا ملفه وتجربته، غير أنني لم أكن أدرك حينها أنني أمام شاعرٍ لا يُشقّ له غبار، يمتلك هذا العمق، وهذه القدرة العالية على تطويع الكلمة، وصياغة الصورة، وبناء الإحساس.
ولم تكتمل روعة المشهد إلا بالإدارة الاحترافية التي قدّمها الإعلامي المبدع جميل الحارثي، الذي جمّل الأمسية بحضوره اللافت وأسلوبه الراقي في التقديم وإدارة الحوار. كان قريبًا من القلوب، سلسًا في الطرح، ممتعًا في التفاعل، يقود فقرات الأمسية بثقةٍ واقتدار، ويصنع تناغمًا جميلًا بين الشاعر والجمهور ، هكذا اكتملت الكفّة بتكامل الدور بين الضيف والمحاور، فكان الحوار ذكيًا، والتقديم متوازنًا، ليقدّما معًا ليلةً استثنائية بكل المقاييس، امتزج فيها الشعر بالإعلام، والكلمة بالإحساس.
أما المكان، فقد كان شريكًا أصيلًا في صناعة هذه اللحظة؛ فالشكر موصول لمقهى "كيب"، وشريكهم -الشريك الادبي - والذي لم يكتفِ بالضيافة، بل احتضن الجمال، وفتح للإبداع فضاءً يليق به وبأهله.
كانت "شذى القصيد" أكثر من أمسية عابرة؛ كانت تجربة ثقافية مكتملة الأركان، تؤكد أن الشعر حين يُقدَّم بصدق، ويُصاغ بحرفية، ويُلقى بروحٍ واعية، فإنه قادر على جمع القلوب وترك أثرٍ لا يُنسى هذا علمي وسلامتكم




