زرت خالتي "امل" في منزلها بعد ولادتها طفاها الأول "تيم" لأنني وفي ذات الوقت اردت منها مساعدتي
في اقناع والدي بأن يخطب لي الأنسة "زهور"
وكانت هذه الزيارة بعد حصولي على اشعار درجاتي في نهاية العام الثاني لي في الكلية.
لكن قبل تفاصيل الزيارة هناك ما حدث خلال العامين من احداث ولم تكن في صالحي حيث انتقلت أسرة خالي "حمد" ليسكنوا في احدى العمارات التي يملكها جدي رحمه الله .
والسبب يعود لمشاجرة حدثت بين زوجته وخالتي التي كانت تعيش في الخارج حيث عادت للسكن مع والدتها بعد وفاة زوجها في حادث سير أثناء تواجدها هناك ..خالتي" إلهام" مدللة العائلة لأنها اخر العنقود ولكونها تحظى بقدر عالي من الدلال والقرب العاطفي من الجميع ,علاوة على ذلك يراعى شعورها دوما لانه لم يرد لها الله الإنجاب رغم محاولاتها الكثيرة التي دامت لأربعة عشر سنة منذ زواجها
استقبلتني الخالة استقبالا حارا وكانت قد أعدت الضيافة مسبقا وجلسنا نتمازح كعادتنا ثم قلت لها بصوت جدي خالتي " أمل " قصدت زيارتك صباحا كي لا أجد أحد عندك لدي موضوع خاص أريد فيه مشورتك ومساعدتك قدر استطاعتك .ابتسمت وقالت بتعجب ! خير إن شاء الله وأردفت بابتسامة خبث
هل تريد أن أخطب لك عروس؟
ارتخيت .. فكلامها مس داخلي فورا وكأنها تعلم ما بداخلي فقلت لها وما أدراكِ .فعلا أنا أريد الزواج وأريد مساعدتك في إقناع والدي .فالعروس نعرفها والكل يمتدح أخلاقها وجمالها ,قاطعتني باستغراب وقالت من هي؟
أجبت " زهور " ابنة خالي " حمد " في الحقيقة تغيرت ملامح وجهها على الفور ولكنها حاولت تدارك الأمر وقالت فعلا يا ولدي هي فتاة جميلة ومهذبة وإنما لا أضمن لك قدرتي على إقناع والدك تحديدا فأنا لا أستطيع تخمين رأيه بهذا الموضوع ,لكن بدايةً اذهب وأخبرهم برغبتك وسأتدخل إن لزم الأمر
رفض والدي الفكرة ككل وبحزم ولم يتنازل عن رأيه رغم دخول وسطاء وفي يوم
اتصل والدي وقال لي يا " هائل " أريد منك زيارتي اليوم في مكتبي بعد صلاة العشاء فلدي ما أقوله لك
وبالفعل ذهبت للمسجد المجاور لمكتب الوالد صلينا العشاء في جماعة ثم توجهنا للمكتب ولأول مرة والدي لم يجلس على كرسيه خلف مكتبه وإنما جلس أمامي على الكراسي الجانبية ووضع يديه على ركبتي وقال بنبره حنونة يا ولدي أنا لا أمانع فكرة الزواج أطلب من والدتك أن تبحث لك عن عروس تناسبك أكثر .فقلت بصوت مقهور يساوي إحساسي الداخلي .حسناً وما الذي يعيب "زهور " فهي من العائلة كما أنها جميلة وخلوقة أيضاً؟
أجاب . معك حق يا ولدي هي من العائلة ونعرفهم جيداً لذا هي ليست مناسبة فأنت تعرف جيداً خالك "حمد "
إنه رجل يصعب التعامل معه وغامض أيضاً وغريب الأطوار إضافةً لهذا هناك مالا أستطيع قوله الان
ولن ينفع الحديث عن أمور ليس من حقي ذكرها في أي محفل أبداً لكونها أسرار عائلية . لكن ما يجدر بي فعله هو أن أمنعك من هذا الزواج فهذه قدرتي واستطاعتي الحالية يا ولدي ..
وقفت حينها وقد امتلأت عيناي شراً وبدأت تدور برأسي أفكار غريبة عن حب والداي لي ورغبتهم في إسعاديي فكيف يحق لهم سلبي سعادتي التي أحلم بها منذ زمن وعملت كثيرا من أجل هذه السعادة ,ربما لأنني لم أكن أعيش تحت جلابيبهم ونشأت عند جدتي فلم يشعروا يوماً بي أم أنه التسلط وفرض الرأي لأن أمي الغالية كانت وسيلتها الوحيدة في العقاب هي المقاطعة التامة إذ ترفض التحدث إلي أو الجلوس في نفس المكان معاً
ولا ترد على اتصالاتي بتاتاً , اتصلت بعمتي "سمر" شقيقة أبي الوسطى طالباً منها إقناعه والحقيقة أن هذه المرة كانت لهجتي صارمة في الحوار إذ قلت لها أخبريه بأنني إن لم أتزوج " زهور" يٌحرم علي الزواج من أخرى .ويعتبر أن ليس له ولد يدعى "هائل" ..حقيقةً بادرة العمة بسرعة واتصلت بالوالد ومن ثم أمي لأنها لا تسكن في نفس مدينتنا ثم عاودت الاتصال بي بفكر مختلف إذ رحبت بالفكرة في المكالمة الأولى وأثنت كذلك إلا أنها في هذه المرة كانت تحاول بشكل جاد إقناعي بصرف النظر عن الموضوع برمته! قالت أنه يجب على المرء إعادة النظر في ما يُقدم على فِعله إن كان لوالديه رأي أخر وأن الوالدين العزيزان لهما وجهة نظر ويجب احترامها , بالطبع لم أقتنع بحديثها أبداً لانضمامها لقائمة الوسطاء الفاشلين في الإقناع على حد تفكيري وقتها
مرت سنة بين مهاترات و أخذ وعطاء في الكلام ولم يتبقى لي سوى سنة واحدة على التخرج وخفت كثيرا من أن يتقدم أحدهم لخطبة أميرتي التي زاد تعلقي بها رغم رفض والداي لها فقررت قراراً أحمقاً ومتسرعاً
نعم الان أراه كذلك , لكن سابقاً كانت النظرة مختلفة تماماً إذ أراه قوة بل حق مشروع وقراري كان هو التواصل مع الفاتنة عبر مواقع التواصل الاجتماعي لأنني كنت أحتفظ برقم هاتفها منذ أن كانوا يسكنوا معنا في بيت الجدة . أرسلت لها رسالة نصية .ألقيت التحية وعرفت بنفسي ثم قلت بجرأة هل تمانعين لو تقدمت لخطبتك دون موافقة أهلي ؟!
بدأت بالكتابة وأنا أنظر للشاشة بلهفة وكانت كلماتها بمثابة طاقة فرج أو بوابة سعادة لأنها أبدت رغبتها بقولها بكل سرور ...بكل سرور ..اه .. ابتسمت ابتسامة عريضة ولمعت عيناي أصبحت الدنيا في نظري قلوب حمراء وفراشات وردية بخلفية موسيقية هادئة تتردد على مسامعي أقسم أنني لم أنم تلك الليلة من السعادة حيث كنت
أتخيل ليلة الزفاف كيف ستكون ! والبيت حتى أنني أسميت أطفالي منها وأين سنسافر لقضاء شهر العسل
وهكذا. تطورت بيننا سبل التواصل مع الأيام , أصبحنا نتحدث سوياً إلى ساعات متأخرة من الليل أسمع صوتها العذب لأهيم شوقاً وأتساءل متى ستصبح هذه الأميرة شريكة حياتي بالشكل الصحيح .نعم وللأسف أعرف أن ما
نفعله غلط كبير يجمع بين التحريم الديني والعيب المجتمعي لكن الشيطان له دور في تزين الأمور بالإضافة إلى إ لى الصحبة حيث كنت أرافق بعض الأصدقاء اللذين يتباهون بعلاقاتهم مع الفتيات ورغم انكساري الداخلي لمثل هذه العلاقات إلا أنها الأٌلفة جرتني في خطأ غليظ خنت فيها عمي وأهلي فمن ألِف أمراً استهان بتجربته
تخرجت والحمدالله من الجامعة بتقدير جيد جداً وأخيراً سأصبح مستقل مادياً . فبعد توظفي أستطيع التقدم لخطبة "زهور" من والدها مباشرة أنا واثق من موافقته لأن له عقلية غريبة مختلفة تماماً عن بقية الأسرة قياساً بالعلاقات .. هو المال .. إن أعطيته بعض المال تصبح حبيبه وسيفعل لك ما تشاء وخلال الفترة الماضية كانت علاقتنا مستمرة وكنت أعمل من أجلها وأغدق عليها من الهدايا وألبي متطلباتها الشخصية بكل حب وتفاني وسعادة فكل ما نفذت لها طلب شعرت داخلياً ببطولتي ورجولتي وكنت أقول لنفسي يا لك من رجل شهم لا يترك زوجته بحاجة لاي شي إلا وقدمه لها على طبق من ذهب.
بعد شهرين من تخرجي التحقت بإحدى المستشفيات الحكومية لقضاء فترة التدريب العملي وبطبيعة الحال نتعارف مع ممرضين متدربين وممارسين للمهنة وبطلب من رئيس القسم تم وضع إسمي في قائمة الدوام الليلي حتى أستطيع التحدث بحرية مع "زهور" دون رقابة ,حقاً كنا نتواصل بإسهاب وفترات طويلة من الكلام العام فلم يجرأ أحدنا على الكلام المعسول أو كلمات الحب أبداً وحتى تبادل الصور لم يكن وارداً أبداً بيننا ,لأنه بمنظوري كرجل بأن الفتاة التي تتهاون في هذه الأمور ليست سوية .
"قصي "زميل دراسة في صفوف الكلية وتعمقت علاقتنا أثناء التدريب حيث اجتمعنا في نفس المستشفى والقسم أيضاً وبدأنا نخرج سوياً لاحتساء القهوة وأحياناً لتناول وجبة الفطور صباحاً بعد قضاء ساعات العمل ليلاً. مرة وبالمصادفة سمعته وهو يتحدث بهاتفه مع فتاة على أحد مواقع التواصل الاجتماعي .لفت انتباهي نبرة الصوت التي ذكرتني ب"زهور" التي اشتقت لها كثيراً فليلة البارحة كانت في مناسبة لإحدى صديقات والدتها فلم أستطيع سماع صوتها ليلاً .مر موقف مكالمة "قصي" مروراً عادياً على روتيني فالكثير من الأصدقاء يتحدث مع فتيات بهذه الطريقة أمامي دون خجل وفي يوم عقب حفل خطوبة ابنة خالتي الكبيرة "سارة" تفاجأت بصديقي يسألني بدون مقدمات عن صلة قرابتي بالعائلة التي أقامت حفل خطوبة ليلة البارحة في قاعة "فيروز"
أجبته بغرابة بأن الحفل يعود لابنة خالتي ..ثم رددت عليه السؤال قائلاً و ما لذي أدراك أنت بالحفل!؟لا أذكر أنني تحدثت معك بخصوصه سابقاً, ثم ابتسم بخبث قائلاً نعم لم تخبرني ولكن هناك عصفورة من عائلتكم اخبرتني بكل شيء!
حقيقةً نزل الكلام على مسامعي كالصاعقة فأنا أنتمي لعائلة محافظة جداً ولم أتوقع من بناتها إقامة علاقات خارج إطار الزوجية أو الخطوبة .صمتُ لوهلة واستدرت عليه بعصبية ومن تكون هذه العصفورة ؟
أجاب بخبث حقاً تريد أن أفضح حبي حتى تذهب وتخبر والدها أو إخوتها ليأتوا إليَ وأدخل في دائرة مشاكل أنا في غنى عنها؟ في هذه اللحظة رن جرس التنبيه لأحد الغرف في المستشفى منذراً أن هناك مريض يحتاج إلى مساعدة ,ومن غضبي هممت بالوقوف لأذهب فوضع يده على ركبتي وقال اجلس أنا من يساعده فأنت لم تنم ليلة البارحة وفعلاً ذهب والأفكار تأخذني يمنةً ويسرا والنار بدأت تشتعل بداخلي وأقول في نفسي يا تٌرى من تكون !؟
من بين قريباتي حقا شعور غريب ما ينتاب
الرجل في لحظة الغيرة على بنات عائلته من الغريب حتى لوكان صديقه أو جاره. انتهى الحديث عند هذا الحد في هذا الموضوع تحديداً لأننا لم نفرغ من العمل طيلة اليوم بمتابعة المرضى وكتابة التقارير إلى أن إنتهى اليوم وكلاً منا عاد لمنزله .
مرت الأيام والشهور وتوالت الأحداث العادية كروتين العمل والمناسبات الاجتماعية السعيدة منها والحزينة ولكن في داخلي غصة ..وأخشى دوماً سؤال "قصي" عن عصفورته خوفاً من عواقب معرفتها
الغريب في الأمر أني أراقب بصمت تصرفات بنات العائلة وصديقي كذلك ,وذات يوم وأنا في متاهات الحياة رن هاتفي وإذ برقم غريب يطلبني .رددت بصوت المتعجب "أهلاً" وفي الطرف الأخر السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .صوت رجل بالغ رزين ! فرددت السلام بنفس نبرة التعجب ثم قال أنت "هائل"
قلت نعم!
قال. من فضلك أريد حضورك إلى عيادة النساء والولادة لدى الدكتورة "علياء "حالاً
قلت .ولما؟ أليس من الغريب أن تطلب مني الحضور لعيادة النساء وأنا لست متزوج ..قال أه نسيت أن أعرفك بنفسي فأنا المحامي "أحمد عبد الهادي "محامي الدكتورة "علياء" لدينا مشكلة تخص الأنسة "زهور"
وهي من طلب حضورك لمساعدتها في حل هذه المشكلة ! ترددت كثيراً أو بمعنى أدق تكاسلت لأن الاتصال جاء بعد عودتي من النادي الرياضي ولكن دار حوار بسيط في ذهني وقت الاستحمام هو كالتالي ,اذهب وأثبت لها كم تحبها فالفتيات يرغبن دوماً دليلا على الرجل الكفؤ و"زهور" قد اختارتك لتكون بطلها وهذا دليل على حبها لك ,وفي جانب اخر تساءلت لماذا لم تلجأ لوالدها أو حتى أحداً من أخوالي ؟ثم أجبت على المتسائل
لأنك أقرب لها منهم وكانت الإجابة محفزة لكي ألبي دعوة المحامي وبالفعل ارتديت ثيابي وتوجهت إلى موقع العيادة وفي الطريق عاود المحامي الاتصال بي يسأل عن تأخري طمأنته قائلاً أنا في الطريق .وعند دخولي العيادة تفاجأت بأمر غريب بعض الشيء كانت خالية من المراجعات و"زهور" والمحامي والدكتورة وزوج الدكتورة جميعاً في صالة الاستقبال وكانت "زهور" تبكي وتترجى المحامي بالانتظار قليلاً وأن لا يطلب الشرطة ...ألقيت التحية واستدرت على "زهور "قائلاً ماذا هنالك!؟
ما بك تبكين يا "زهور" وظلت صامته بينما تولى المحامي الأمر ورد قائلاً إذاً أنت "هائل" أهلاً بك ومد يده مصافحاً وعرف بنفسه مرة أخرى ثم قال ماصلت القرابة التي تجمعك بها ؟ أجبت "زهور" ابنة خالي يا حضرة المحامي ولكن ما الأمر ؟ قال المحامي اتبعني من فضلك فدخلنا لغرقة صغيرة تبدو وكأنها للمراجعة تحتوي على مكتب صغير وأريكتين وعلى الجدار الأيسر شاشتا عرض تعرض عليها مجموعة من التسجيلات التابعة لكاميرات المراقبة داخل وخارج العيادة ثم طلب مني الجلوس وتقدم إلى خلف المكتب وجلس هو أيضاً وبدأ بالحديث قائلا أخ "هائل" تبدو شاباً في مقتبل العمر أليس من الغريب أن تطلب "زهور" المساعدة من شاب صغير الحضور للتفاوض معنا بدلاً من والدها . ثم تقدم عن مسند الكرسي وقال هل والدها متوفي ؟
أو مسافر أم ليس لها أعمام أو أخوال ؟ أجبت يا سيدي ما الأمر أخفتني كثيراً ما الذي حدث ما لذي حدث من فضلك أٌدخل في صلب الموضوع وإذا لزم الأمر أخبرت من يكبرني إذا أردت . سكت قليلاً وقال الأنسة "زهور" عملت هنا منذ ما يقارب السبعة أشهر وللأسف كانت تأخذ رشاوي من المراجعات لترتيب الدخول بشكل مختلف أو عمل مواعيد غير نظامية وفي بعض الأحيان تستخدم ختم الدكتورة لمنح إجازات لبعض المراجعات وتأخذ منهن مبالغ ولم تكتفي بهذا الأمر بل أصبحت في الفترة الأخيرة تأخذ مبلغ الكشفية دون تسجيل المريضة في النظام الخاص بالعيادة حتى لا يكتشف الأمر وقد تم تصويرها بكاميرات المراقبة ثم مد يده على جانب المكتب حيث حقيبة سوداء معلقة بجانبه وأخرج جهاز تحكم عن بعد وجهه إلى الشاشة الجدارية خلفي وفوراً عرض أول مقطع ل"زهور" وهي تدخل مبلغ في حقيبتها قد استلمته للتو من العميلة وتوالت مقاطع الفيديو الصغيرة إلى أن وصلت ما يقارب العشر مقاطع ثم استدار وقال ما رأيك أخ "هائل" ماذا تقترح
أه تجمدت من هول الصدمة تناثرت الأفكار في عقلي ارتبكت وبدأت في التعرق رغم برودة الغرفة وأسندت ظهري على مسند الكرسي ثم قلت بتوتر كم المبلغ المطلوب سداده لتنتهي المشكلة يا حضرة المحامي أنا من سيتكفل به المهم أن لا تبلغوا الشرطة كما تعرف "زهور" فتاة ويلزم الحفاظ على سمعتها ووالدها يعاني من مرض القلب وقد أجرى مؤخراً عملية جراحية أما عن أخوالي فيصعب تبليغهم بهذا الأمر .
ابتسم المحامي وقال لم تخطئ في اتصالها بك يا "هائل" مبدئياً المبلغ المطلوب خمس وثلاثون ألف هل بإمكانك تدبير المبلغ خلال يوم واحد أو يومين على الأكثر أجبت غداً بإذن الله سيكون المبلغ بحوزتكم و الآن هل نستطيع المغادرة؟
قال المحامي بالطبع لا إلا إذا وقعت على سند بهذا المبلغ أو شيك باسمك ما دمت تكفلت بالسداد وبالفعل وقعت على سند بكامل المبلغ ثم خرجت من الغرفة والاستفهامات تحيط بتفكيري لماذا؟ فعلت كل هذا؟!
ومن أين أستطيع توفير المال؟
وهل من المفترض أن أتحدث لأحد أفراد العائلة. وذهبت مباشرة على الصالة حيث الدكتورة وزوجها و"زهور" يجلسون فقلت موجهاً حديثي للدكتورة نعتذر عن ما فعلت الأنسة ثم استدرت على ابنة خالي وطلبت منها اللحاق بي مستأذنا من الجميع .خرجنا سوياً من العيادة فوقفت على بابها وقلت دون أن أستدير لأن "زهور" مازالت خلفي ما الذي يدفعك للسرقة والتلاعب بملفات المراجعات يا ابنة خالي؟ ظلت صامته ولا أسمع سوى صوت بكائها وهذا ما استفزني كثيراً ثم استدرت إليها قائلاً الان تبكين أين كان عقلك وأين كان ضميرك وانتي تفعلين ما فعلتي ألم تشاهدين تلك الكاميرات المعلقة في كل مكان ألم تخشين الله ؟ وظلت صامته ثم استدرت وأكملت المشي متوجهاً لمركبتي وطلبت منها اللحاق بي . قالت "زهور" بسوط خجل ومكسور لدي مركبة وسأذهب للبيت وبصوت رجولي قلت ألحقي بي دون نقاش وأغلقي فمك لا اريد سماع صوتك أما عن مركبتك غداً أحضرها لك لأني أريد أن أفهم لماذا فعلتي فعلتك تلك خلال الطريق وستكون اخر مرة نتحدث بها سوياً تفهمين .صعدت المركبة وظلت هي واقفة مترددة تمسح دموعها بمنديلها .شغلت المحرك وفتحت النافذة وقلت أصعدي بصوت رجولي حاد ومرتفع مما جعلها تفتح الباب وتصعد للمركبة خلف السائق مباشرة وفور إغلاقها للباب تحركت بسرعه من المكان ثم ألتزمت المسار الأيمن في الطريق العام وأبطأت من سرعتي وقلت هيا يا أنسة أسمعك الان ..تنهدت ثم قالت لا أحد يعرف ما نعيشه في منزلنا أبي لا ينفق علينا أبداً فأنا من يتدبر أمور المعيشة لي ولأخوتي من مأكل ولباس ومصروفات مدرسية وغيرها من أمور الحياة ضاقت بي الدنيا فعلا ً وأمي تطلب مني تدبير بعض المبالغ لتوفيرها لعلاج جدتي في البلاد التي جاءت منها أمي أنا مكبلة من جميع النواحي إخوتي صغار وأنا أكبرهم ,قاطعتها بعصبية قائلاً وأسهل حل هو السرقة أليس كذلك يا أنسة .لماذا لم تخبري أحد من الأعمام أو حتى انا سنجد حل مناسب وطال الحديث في الطريق بين عتاب ولوم وتبرير منها وعند وصولنا نزلت من المركبة وانتظرتها حتى دخلت البيت ثم تحركت أجول في شوارع المدينة من أين أستطيع تدبير هذا المبلغ خلال ساعات قلائل ولكن ليس لدي حل سوى الاقتراض من المعارف وبالفعل بدأت بالاتصال على الأصدقاء والأقارب القريبين مني لان الوقت متأخر قليلاً منهم من أستجاب على الفور وقام بإيداع ما يستطيع بحسابي المصرفي ومنهم من اعتذر وهناك من وعد بالتحويل لحسابي صباحاً بما يستطيع
وبالفعل بفضل من الله استطعت في منتصف اليوم جمع ثلاثون ألفاً منها اقتراض وما بقي كنت قد اد خرته محاولاً جمع تكاليف الزواج أما عن القسمة التي من والدي فقد أخبرته أن صديقي لديه مشكلة مادية ويحتاج للمساعدة فالمعروف عن أبي حبه الشديد لمساعدة الناس فهو ولله الحمد ميسور الحال ,اتصلت على المحامي في مساء اليوم التالي وطلبت مقابلته وسألته هل أتوجه للعيادة ؟ أجاب لا انتظرك في مكتبي بعد ساعة ونصف من الان واتجهت بالفعل إلى مكتبه ودفعت المبلغ كاملاً وأخذت السندات ثم استأذنت وخرجت فجلست في المركبة وخيبة الأمل تعصر قلبي أنظر حولي بشتات وتتجول عيناي بين المارة من المركبات والإنارة وأحواض الزهور المتناثرة على أرصفة المباني المحيطة انفاسي تدخل صدري بصعوبة وكأنني أتنفس في كيس مليء بالماء . رن الهاتف المحمول "قصي" هو المتصل أخذت الهاتف من المقعد الجانبي ونظرت إليه متردداً ثم فتحت الخط وقلت بصوت مخنوق أهلاً . سلم فرددت السلام قال "قصي" يتعجب هل أنت بخير ؟
أجبت لا يا صديقي .قال أين أنت أنا أتي إليك فقلت أنا ... سكوت وتلعثم لبرهة .. ثم قلت هل تعرف مقهى السعادة ؟ قال نعم . قلت أيمكنك مقابلتي هناك الان ؟ بالتأكيد على الفور ..انتهت المكالمة وفعلاً توجهت إلى المقهى دون وعي مني ترجلت من مركبتي متجهاً لبوابة المقهى وبالمصادفة تقابلت مع "قصي" على الباب
تنهدت ومددت يدي مصافحاً إياه ببرود على غير العادة ثم دفعت الباب متكئاً عليه كوني أشعر بالتعب من قلة النوم والتفكير دخلنا سوياً دون حديث وجلست على طاولة جانبية حولها ثلاث أرائك بألوان مختلفة .تابع "قصي" السير إلى الداخل ليطلب لنا القهوة الأمريكية مع قطعتين من كيكة الجزر كما أعتدنا هذا الطلب في معظم لقاءاتنا سوياً وبعد مضي خمسة عشر دقيقة تقريباً عاد وفي يده صينية عليها الطلبات .وضع الصينية على الطاولة وقال أوه. نسيت الماء وهم بالوقوف فمسكت يده وقلت اجلس يا رجل لا أشتهي شيء , عاود الجلوس وابتسم بحذر قائلاً أفرغ ما في الجعبة أراك حزيناً على غير العادة هل من مشكلة عائلية ؟! رفعت يدي مشيراً إليه بالسكوت وتنهدت فقلت حقيقةً لا أعرف ان كانت تصنف كمشكلة أو مصيبة وتقدمت من ظهر المقعد ومددت يدي ممسكاً بكوب القهوة ثم أعدته مكانه وعدت كما كنت وقلت "قصي" !
أنت من أقرب الأشخاص إلى قلبي وعقلي أيضا غالباً ما تجمعنا نقاط التفكير في اتخاذ القرارات وامتصاص المواقف . أرسلك الله لي في وقت كنت أريد الجلوس فيه بمفردي لامتص الصدمة وأرتب أفكاري
فأنا يا صديقي ضعيف مهزوم ومتعب داخلياً , استمع لما حدث وقصصت عليه ما مررت به ليلة البارحة وصولاً الى اتصاله بي دون أن يقاطعني شرحت مشاعري ولخبطة أفكاري ولأول مرة ينتابني الخجل وأنا أشاركه موقفي وهو اكتفى برشف القهوة بين اللحظة والأخرى أما الغريب في الأمر والذي اثار فضولي وتعجبي هو نفس ملامحه كلما تعمقت في القصة اكثر ! وفجأة توقفت عن الحديث وقلت يا رجل هذه ليست ملامح متعاطف وإنما هي ملامح غضب !! انحنى "قصي" إلى الأمام وأسند يديه على ركبتيه وسأل هو مباشرةً "زهور" ابنة خالك إذاً ؟!
انتابني شعور غريب وكأن أحدهم ضربني على رأسي من الخلف بقطعة خشب او حديد .بردت أطرافي وتلعثمت وقفت بعدها مباشرة وأمسكت بكوب القهوة فنثرته عليه وقلت بصوت عالٍ من أين تعرفها أيها الحقير
ما جعل كل من في المقهى ينظر إلينا . امسك حينها "قصي" يدي محاولاً تهدئتي وقال اجلس .. سحبت يدي واستدرت محاولاً الخروج فركض ليوا جهني وطلب مني الجلوس وهو يحاول أيضاً تهدئة الموقف والنظر للمحيطين وقال مبتسماً لا بأس نعتذر على الإزعاج جلست حينها وانا أشطاط غضباً وغيرة فتنهدت واستعذت بالله من الشيطان الرجيم , قلت هات ما عندك وأنجز من فضلك . سحب "قصي" قطعة محارم من العلبة وبدأ يمسح وجهه وملابسه وقال بعد وضع المحارم على الطاولة ,أسمع يا صديقي ! تعلم بأني كنت أعمل كمحاسب في أحد الأسواق حتى أستطيع توفير مصاريف الكلية وكانت "زهور" تعمل أيضاً معي في نفس السوق نتصادف أحياناً في فترات الدوام بصراحة اعجبت بها كثيراً وطلبت منها رقم والدتها لأتقدم لخطبتها ,بالفعل أخذت الرقم وأخبرت أمي وطلبت منها أن نذهب للخطبة .لكن قالت أمي سأذهب للتعارف أولاً فقط
ذهبت أمي لزيارتهم لكنها عادت رافضة للفكرة تماماً ومن "زهور" تحديداً رغم محاولاتي إقناعها ولا أخفيك نعم كنا نتحدث أنا و "زهور" تحت مسمى الخطوبة على أحد مواقع التواصل الاجتماعي ونتبادل الرسائل والمناسبات من وقت لأخر حتى يتسنى لنا التقرب أكثر إلى أن اكتشفت أمي محادثاتنا بمحض الصدفة وطلبت مني التوقف فوراً عن ما أفعل والخروج من الوظيفة حتى لا نلتقي ونغير حساباتنا لكي لا يعود أحدنا للتحدث مع الأخر وهذا ما حدث .تركت كل شيء خلفي ومضيت قدماً في أمور الحياة إلى أن رن هاتفي ذات يوم من رقم مجهول وكانت "زهور" تتحدث وهي تبكي تريد مني المساعدة في البداية لم أفهم حديثها صراحةً .لكن ما عرفته أنها وعائلتها تناولوا طعام العشاء في أحد المطاعم ولم يكن بحوزتها مبلغ الفاتورة مما استدعى إدارة المطعم لطلب الشرطة لهم وظلت تترجاني بتدبير ذاك المبلغ واعدة أنها ستعيده لي في أقرب وقت ممكن . استغربت اتصالها وسألتها من أين جئت برقمي الجديد؟ فقالت سأخبرك لاحقاً ,لا اخفي عليك ترددت في البداية ثم ذهبت ودفعت الفاتورة ثم طلبت منها أن لا تعاود الا تصال بي مجدداً وإزعاجي .ومن بعدها حظرت رقمها في هاتفي لكنها حاولت الاتصال بي من أرقام مختلفة في كل مرة على فترات وتخبرني بمدى حبها لي ورغبتها بعودة العلاقة بيننا مجدداً.
ضربت بكلتا يداي على الطاولة ووقفت ثم استدرت خارجاً متجهاً لمركبتي فوقفت متكئاً عليها بقيت على حالتي
بعضاً من الوقت ثم فتحت الباب وجلست على المقعد وبدأت البكاء بصمت ثم ضحكت بصوت مسموع !
وقلت لنفسي ..الأقدار وإن سخرت منا تواصلنا لأمان كنا نفتقده .والمواقف ربما تفتح أعيننا لما لم نكن نراه من قبل .للأهل نظرة شاملة تصقلها التجارب والحكمة والمعرفة بأمور نحن نجهلها , تنهدت وأدرت محرك المركبة وتحركت متجهاً للمنزل ..
لم يكن الأمر بهذه السهولة ولكن ربما التطور لا يكفي لوحده وتجاوزه كان أصعب من الوصف
أمضيت قدماً في الحياة متعاونا ًمع تجاربها الحلوة والمحزنة . السهلة والصعبة .....
انتهت
ـــــــــــــ
شاركنا قصتك على البريد الالكتروني الخاص بالصفحة :
bdwnnqatfwasl@gmail.com




