لغة أحاسيس
كان لوالدي –رحمه الله– عطرٌ يميّزه عن غيره، رائحة عودٍ تفوح من حضوره قبل جسده، تشبه الطمأنينة، والاحتواء، والحب.
وكذلك كانت رائحة جدّتي –رحمها الله–؛ ما إن تمرّ في ذاكرتي حتى توقظ إحساس الاحتماء بصدرها، وتبعث لحظاتٍ جميلة عشتها في كنفها.
للعطور لغةٌ خفيّة وتأثيرٌ عميق في عواطفنا وأحاسيسنا؛ فهي القادرة على استدعاء الذكريات البعيدة واللحظات السعيدة، وربما أعادت إلينا –أحياناً– مشاهد كئيبة ارتبطت بها.
ونلحظ أننا حين نتعرّف على شخصٍ ما، يكون أوّل ما يلفت انتباهنا رائحة عطـره، فتترك في الذاكرة أثراً، وفي النفس انجذاباً، وكأن للعطر توقيعاً خاصاً لا يُنسى.
وأطيب رائحة مرّت في التاريخ الإسلامي هي رائحة رسول الله ﷺ، فقد وُصفت بأنّها أزكى من المسك، وطيبها من طيب مجالسته للملائكة والصالحين. قال ﷺ:
«حُبِّبَ إليَّ من دنياكمُ النساءُ والطِّيبُ، وجُعِلَت قُرَّةُ عيني في الصَّلاة» (حديث صحيح).
وقال أنس بن مالك رضي الله عنه:
«ما شممتُ عنبراً قط، ولا مسكاً، ولا شيئاً أطيب من ريح رسول الله ﷺ» (حديث صحيح).
وللطيب أثرٌ في حفظ الصحة، فقد بوّب ابن القيم –رحمه الله– في كتابه زاد المعاد في هدي خير العباد باباً بعنوان: باب في حفظ الصحة بالطيب. وقال:
«لما كانت الرائحة الطيبة غذاء الروح، والروح مطيّة القوى، والقوى تزداد بالطيب، وهو ينفع الدماغ والقلب وسائر الأعضاء الباطنية، ويفرح القلب، ويسرّ النفس، ويبسط الروح… وكان بينه وبين الروح الطيبة نسبة قريبة؛ كان من أحبّ الأشياء إلى أطيب الطيبين ﷺ».
فالعلاقة بين الروائح والعواطف متأصّلة في تركيبنا البيولوجي؛ إذ يرتبط الشمّ مباشرةً بمركز المشاعر في الدماغ، ويلعب دوراً مهماً في تنظيم المزاج، من خلال تحفيز هرمونات السعادة مثل السيروتونين، والدوبامين، والإندورفين. ولهذا اهتمّ الباحثون في علم النفس الحديث بدراسة تأثير العطر على العقل والحالة النفسية.
وأطيب الطيب ما خالطه الذكر الحسن، وشابهه في العبق صفاءُ القلب ونقاءُ الأثر.
وختاماً… أيها القارئ،
ما أثر العطر فيك؟
وأيّ ذكرى توقظها رائحةٌ عابرة؟




