في يومنا الأول في مدينة صور العريقة لم نكن مجرّد زوّارٍ عابرين، بل كنّا شهوداً على لقاءٍ نادر بين التاريخ والبحر والهوية .
هنا، حيث تمشي الذاكرة على شاطئ الزمن، وتهمس الأمواج بأسرار قرونٍ مضت، تبدأ الحكاية ولا تنتهي .
كانت منارة العيجة التاريخية أولى محطاتنا ، تلك الشاهدة الصامتة التي رفعت ضوءها عبر العصور لا لتدلّ السفن على الطريق فحسب .. بل لتروي حكايات البحّارة الذين جعلوا من البحر قدراً ومن الإبحار أسلوب حياة وقفت المنارة كرمزٍ للثبات، تراقب البحر وتصافح الأفق، وتُبقي الضوء حيّاً في ذاكرة المكان .
ومنها إلى ميناء صور حيث يلتقي الأزرق بالأفق في مشهدٍ مهيب، ويمتزج عبق الماضي بنبض الحاضر .. ميناءٌ لم يكن مجرد مرسى للسفن، بل بوابةً للتجارة والأسفار، وذاكرةً مفتوحة لعلاقة أزلية نسجها الإنسان مع البحر، علاقة قائمة على الجرأة والصبر وحب الاكتشاف .
ثم كانت منطقة الرَّشّة، القلب النابض قديماً لصناعة السفن، حيث الأيدي الماهرة تصنع المجد من الخشب، وتحيل الجذوع الصامتة إلى مراكب تنبض بالحياة، تعبر البحار وتحمل اسم صور إلى الآفاق .
هناك، تشعر أن التاريخ لم يُكتب بالحبر، بل نُحت بالأيدي، وسُقِي بعرق الرجال وحلمهم المفتوح على المدى .
وفي متحف فتح الخير وقفنا وقفة وفاء، لا لهيكل سفينة فحسب، بل لمسيرة بحرية أصيلة، توثّق قصة الصبر والعزيمة، وتحفظ للبحّارة حقهم في الذاكرة .. كان المكان أشبه بمرآة تعكس روح البحر، وتُعيد للزائر احترامه لهذا الإرث النبيل .
أما صوت الموج فكان سيمفونية لا تُنسى، يعزفها البحر بلا انقطاع، فيما هواء صور النقي—كقلبها—يمنح الزائر شعور الطمأنينة والانتماء .. هنا تدرك أن بعض المدن لا تُقاس بمعالمها، بل بما تزرعه في الروح .
هكذا كان يومنا الأول: تاريخٌ يُعانق البحر، ومدينةٌ لا تُزار .. بل تُعاش .
صور هذه المدينة العريقة المطلة على بحر عُمان وبحر العرب، كتب لها التاريخ أن تكون ابنة البحر ورفيقته .. وهبها الله من خيراته، فكان أهلها أسياد البحار خبرةً وشجاعةً وعشقاً للأفق المفتوح .. وتُسمّى صور العَفِيّة لأنها تهب العافية لمن يأتيها، بتنوّع تيارات هوائها النقي، وهواءٍ يحمل عبق البحر وصفاء المكان .
ومن اللافت في صور كثرة مساجدها، في دلالة واضحة على مجتمعٍ محافظٍ متماسك، يجمعه الدين والقيم الأصيلة .
أهلها يعرف بعضهم بعضاً، بل يعرفون الأمهات قبل الأبناء، في صورة نادرة من الترابط الاجتماعي الذي يندر وجوده اليوم
هم ودودون وبسطاء، قلوبهم مفتوحة مثل بحرهم .. ووجوههم تستقبلك بترحابٍ صادق .
في صور، يتعانق جمال الطبيعة مع أصالة التاريخ كل زاوية تحكي حكاية، وكل موجة تحمل ذاكرة زمنٍ جميل .. شروق شمسها له بهاء خاص، وغروبها لوحة فنية يرسمها البحر كل مساء .. شوارعها هادئة، لكنها نابضة بالحياة، تشعرك بالأمان والانتماء .
في صور تشعر أن الوقت يمشي على مهل، احتراماً لسكينة المكان .. ومن يزورها مرة، يظل قلبه معلّقاً بها مهما ابتعد .
صور ليست مجرد مدينة تزورها، بل مدينة تعشقها هواها ينعشك، وبحرها يأخذك بعيداً .. وهدوؤها يترك في النفس طمأنينة لا تُنسى .
ـــــــــــــ
*أديب وكاتب كويتي




