الكتمان حين يكون في موضعه حكمة ، وحين يتجاوز حدّه يتحوّل إلى عبءٍ نفسي وسلوكٍ اجتماعي مُربك !!
فبعض الناس لا يكتم خوفاً ، من الحسد فقط ،بل يكتم كل شيء ، الفكرة قبل أن تولد ، والفرح قبل أن يُرى ، وحتى الأمور التافهة التي لا تستحق ، ستاراً ولا حذراً !!
المشكلة في هذا النوع من الكتمان ، أنه لا يحمي صاحبه ، بل يعزله
يُشيع حوله شعوراً غير مريح ، ويزرع في نفوس المقرّبين
تساؤلاً صامتاً : هل نحن غير موضع ثقة ؟
وهنا يتحوّل الكتمان ، من تصرّف واعٍ إلى رسالة سلبية، وإن لم تُقصد !!
الذي يُفرِط في الكتمان ، يعيش غالباً في حالة توجّس دائم ، يرى الآخرين عيوناً مترصدة ، لا قلوباً محبة ، فيرهق نفسه قبل ، أن يُرهق غيره !!
والأسوأ أن هذا السلوك ، قد يُفقد الإنسان متعة المشاركة ، ودعم المقرّبين وبركة المشورة ، فيتحمّل أعباءه وحده ، ثم يشتكي من ثقلها !!
ليس من الحكمة ، أن نُخفي ما لا قيمة لإخفائه ، ولا من العقل أن نُغلق أبواب الثقة بحجة الحذر ،فالحياة لا تُدار بالسرية المطلقة ، والعلاقات لا تنمو في الظل !!
الكتمان المبالغ فيه ، لا يدل على ذكاء اجتماعي ، بل أحياناً على خوف غير مبرر ، أو سوء تقدير للآخرين !!
الكتمان فضيلة إذا ضُبط ، ورذيلة إذا أُفرِط فيه ، ومن يكتم كل شيء
يخسر أشياء كثيرة ، يخسر القرب ، ويخسر الدعم ، وربما يخسر نفسه ، وهو يظن أنه يحميها .
وختاماً :
كن حكيماً في كتمانك لا مُبالغاً فيه .. فإخفاء الأمور العادية التي لا ضرر من إعلانها قد ينعكس عليك دون أن تشعر
إذ يتعلّم الناس منك الأسلوب نفسه فيبادلونك الكتمان بالكتمان والبرود بالبرود .. فتضعف جسور القرب وتبهت العلاقات .
تذكّر أن الوضوح في البسيط يُطمئن والمشاركة في العادي تُقوّي الود وأن الإفراط في التحفّظ قد لا يحميك بقدر ما يُبعدك .. فاختر كتمانك بعقل وامنح من حولك مساحة للثقة حتى تبقى العلاقات دافئة لا قائمة على الحذر المتبادل .




