السعادة في الحياة ليست لحظة عابرة، ولا حالة طارئة تزور الإنسان ثم تمضي، بل هي مسار طويل يتشكل مع الأيام، وتُبنى لبناته من الإيمان، والرضا، والعمل بما تحب النفس وتطمئن إليه. وحين يستقر هذا المعنى في القلب، تصبح السعادة أقرب مما نتصور، وأعمق مما نعتقد.
بعد عبادة الله وإخلاص النية له، تبرز الهواية بوصفها أحد أهم منابع السعادة في حياة الإنسان. فالهواية ليست ترفًا، بل متنفسًا روحيًا، ومساحة صادقة يعبّر فيها الإنسان عن ذاته بعيدًا عن ضغوط الحياة ومتطلباتها. هي تلك اللحظات التي يشعر فيها المرء بأنه على طبيعته، منسجمًا مع نفسه، متصالحًا مع ما يفعل.
وعلى امتداد ستة عقود من الزمن واكثر ، عشتُ مع الرياضة حياة كاملة. بدأت لاعبًا أتعلم من الملعب معنى الانتصار والهزيمة، ثم انتقلت إلى الإشراف حيث ازدادت المسؤولية واتسعت الرؤية، قبل أن أجد نفسي في المجال الإعلامي، أوثّق وأحلل وأواكب، محافظًا على ذات الشغف الأول. لم تكن الرياضة مجرد نشاط جسدي، بل مدرسة متكاملة علّمتني الانضباط، والعمل الجماعي، وقبول الاختلاف، والإيمان بأن الجهد الصادق لا يضيع.
وفي خضم هذه الرحلة، لم تغب الهواية الأخرى التي زاحمت الرياضة حضورًا وتأثيرًا، بل شاركتها المسار والرسالة، وهي الكشافة ،ففي الكشافة وجدت القيم قبل الأنظمة، والإنسان قبل الألقاب، والعطاء قبل المقابل. كانت الكشافة امتدادًا روحيًا للرياضة، تكملها ولا تناقضها، وتمنح التجربة بُعدًا إنسانيًا أعمق.
وبين الرياضة والكشافة، عرفت هوايات صغيرة أخرى، بدأت بحماس، ونضجت مع الزمن، ثم تراجعت أحيانًا، قبل أن تعود لتذوب من جديد في الإطار الأوسع للرياضة والكشافة. وكأنهما كانتا الملاذ الأخير، والجذر الثابت الذي تعود إليه كل التجارب.
خرجت من هاتين الهوايتين بنتاج وفير، وأرباح معنوية لا تُقاس بالماديات. ورغم ما مرّ بهما من تغيرات كبيرة، وتحولات أخذتهما أحيانًا إلى منحنيات أكثر تعقيدًا، ظل الربح فيهما أكبر من الخسارة. فقد تعلّمت أن العمل بحسن نية، وبقلب مفتوح، كفيل بأن يثمر خيرًا، مهما طال الطريق أو تبدلت الظروف.
ومن هنا، أنصح بالعمل في أي مجال بحسن نية. فحسن النية ليس شعارًا، بل منهج حياة. وقد ورثنا مثلًا شعبيًا صادق المعنى يقول: "أبو نية يغلب أبو نيتين"، وهو مثل يحمل حكمة عميقة تؤكد أن الصدق والإخلاص قد يتقدمان على كثرة الحيل وتعدد الوسائل. هذا علمي وتجربتي، وما رأيته واقعًا لا مجرد قول.
التقيت خلال هذه المسيرة ببشر كُثر، واتسعت دائرة المعارف والعلاقات، وتعددت الوجوه والتجارب. ومع ذلك، بقيت النفس على حالها، ثابتة في جوهرها، وإن تغيّرت الظروف من حولها. فالزمن قد يبدل المشهد، لكنه لا يغيّر القيم الراسخة إلا إذا أردنا نحن ذلك.
وفي النهاية، أوقن أن السعادة الحقيقية لا تُصنع من وفرة الأشياء، بل من وضوح المعنى. أن تعبد الله بإخلاص، وأن تمارس ما تحب بصدق، وأن تعمل بحسن نية، هو الطريق الأقرب لراحة القلب وطمأنينة النفس. فحين يجد الإنسان نفسه في ما يفعل، ويؤمن برسالته، تصبح الحياة ـ بكل ما فيها ـ مساحة رحبة للسعادة، مهما تغيّرت الظروف، ومهما طال العمر ، هذا علمي وسلامتكم .




