تمر شركات تقديم خدمات الحجاج بمرحلة مفصلية تفرض الانتقال من نماذج إدارة تقليدية قصيرة الأجل إلى إدارة مؤسسية قائمة على الحوكمة والاستدامة، فبيئة الأعمال لم تعد كما كانت، والمتغيرات التنظيمية والتنافسية لم تعد تسمح بالاكتفاء بإدارة موسمية أو قرارات مبنية على الخبرة التاريخية وحدها دون قراءة مستقبلية واعية.
إن الاستثمار ليس غاية بحد ذاته، كما أن الحفاظ على أموال المساهمين لا يعني تجميدها أو استهلاكها، بل توظيفها بما يحمي الكيان ويضمن استمراره، ويظل التوازن بين توزيع العوائد وبناء القيمة طويلة الأجل هو المعيار الحقيقي لكفاءة مجلس الإدارة وقدرته على القيادة في مرحلة حساسة كهذه، فأموال المساهمين هي أمانة نظامية تخضع لواجب العناية والولاء وفق نظام الشركات ومبادئ الحوكمة، والتعامل معها بعقلية “الغلة” قصيرة الأجل، دون تحوط أو تخطيط طويل المدى، يؤدي إلى تآكل تدريجي في قيمة الأصول بمرور الوقت، حتى وإن بدا ذلك في ظاهره مكسباً مرحلياً.
إن توزيع العوائد دون بناء احتياطيات، أو دون تنويع مصادر الدخل، أو دون الاستثمار في أصول منتجة، لا يحمي حقوق المساهمين، بل يضعف قدرة الكيان على مواجهة المتغيرات المستقبلية، ويستهلك رأس المال بدل تنميته ، فالتوزيع غير المرتبط باستراتيجية استدامة واضحة يصبح عبئاً لا ميزة.
وفي السياق ذاته، فإن الاحتفاظ بسيولة غير موظفة تحت ذريعة “تعزيز السيولة”، دون وجود استثمارات مدروسة أو خطة واضحة لتوظيفها، لا يُعد تحوطاً مالياً بقدر ما يعكس قصوراً في الرؤية الاستراتيجية، فالسيولة ليست هدفاً بحد ذاتها، بل أداة، وأي سيولة معطلة دون غاية واضحة تفقد المال قيمته وتضيّع فرص النمو.
ويزداد التحدي تعقيداً في ظل واقع المنافسة المتغيرة في قطاع خدمات الحجاج، حيث دخلت شركات جديدة، وارتفعت كفاءة التشغيل، وتغيرت نماذج التعاقد. ولم يعد الاعتماد على الامتياز التاريخي أو الخبرة المتراكمة وحدهما كافياً لضمان الاستمرار، خصوصاً مع حقيقة أن المدة التشغيلية الفعلية لا تتجاوز شهرين ونصف إلى ثلاثة أشهر سنوياً، وهو ما يطرح تساؤلاً جوهرياً حول كيفية إدارة الموارد وتغطية الالتزامات خلال بقية العام.
إن مسؤولية مجلس الإدارة في هذا السياق ليست اجتهاداً شخصياً، بل واجباً نظامياً يقتضي إدارة أموال الشركة بما يحقق مصلحتها، ويحمي أصولها، ويربط سياسات التوزيع بخطط استدامة قابلة للقياس، مع الإفصاح عن المخاطر والتحديات المستقبلية، وأي تقاعس عن ذلك قد يفتح باب المساءلة النظامية عند التحقق.
وفي المقابل، لا يملك المساهمون في هذه المرحلة ترف التشتت أو ردود الفعل الفردية، بل تقع عليهم مسؤولية الترابط الواعي، وتوحيد الرؤية، وممارسة حقوقهم النظامية بوعي وتنظيم، فالمنافسة لا ترحم، والأسواق لا تنتظر، والكيانات لا تعيش على التاريخ.
لقد انتهى زمن الغلة، وبدأ زمن القرار والمحاسبة.




