في المشهد الثقافي السعودي، يظل اسم الأديب والناقد الراحل الدكتور سعيد مصلح السريحي حاضرًا بوصفه واحدًا من الأصوات النقدية التي أسهمت في إثراء الخطاب الأدبي، ووسّعت أفق القراءة والتحليل، وطرحت أسئلة جادة حول النص، والمعرفة، ودور المثقف في محيطه.
لم تكن تجربة السريحي تجربة عابرة، بل مسارًا فكريًا تميز بالعمق والجرأة المنهجية، وأنتج أعمالًا نقدية ما زالت تحظى بالاهتمام والقراءة، لما تحمله من رؤى وتحليلات تلامس جوهر الإبداع العربي الحديث. وقد ظل اسمه مرتبطًا بالجدل الثقافي الصحي، ذلك الجدل الذي يُعد علامة حيوية في أي بيئة معرفية نابضة.
وفي سياق مسيرته الأكاديمية، يرد كثيرًا في التداول الثقافي حديثٌ عن تعثر استكمال بعض الجوانب الرسمية لمساره العلمي، وهي مسألة طُرحت في سياقات فكرية متعددة، وبقيت جزءًا من السرد الثقافي المرتبط بتجربته، دون أن تنتقص من قيمته العلمية أو من أثره المعرفي. فالتاريخ الثقافي، في كثير من محطاته، لا يُكتب فقط بالوثائق الإدارية، بل بما يتركه المفكر من أثرٍ حي في الوعي العام.
وعلى المستوى الإنساني، كان السريحي – رحمه الله – مثالًا للمثقف الهادئ، المتزن، القريب من الناس، يجمع بين عمق الطرح وسمو الخلق. عرفه من تعامل معه رجلًا دمثًا، كريم المعشر، واسع الأفق، يحترم الاختلاف ويمنحه مساحة من التقدير، فكان حضوره إضافة في المجالس العلمية والإنسانية على حد سواء.
ومع رحيله، يبقى السؤال الثقافي المشروع: كيف نقرأ تجاربنا الفكرية قراءة منصفة، تضع الإبداع في سياقه، وتمنح التجربة حقها بعيدًا عن الأحكام المتعجلة؟ إن إعادة قراءة المنجز الثقافي لأي مفكر هي ممارسة حضارية، تُسهم في تعزيز الوعي، وترسيخ قيمة الفكر بوصفه ركيزة من ركائز التنمية الإنسانية.
لقد أثبتت التجارب الإنسانية في مختلف البيئات العلمية أن القيمة الحقيقية للمثقف لا تُختزل في المسميات، بل في الأثر، ولا تُقاس بالزمن، بل بما يتركه من معرفة قابلة للحياة بعده. وسعيد السريحي واحد من أولئك الذين رحلوا وبقيت أفكارهم حاضرة، تشهد على إخلاصهم للكلمة، وانحيازهم للمعرفة.
ختامًا، فإن الحديث عن السريحي ليس استدعاءً للماضي بقدر ما هو احتفاء بتجربة ثقافية سعودية ثرية، تستحق أن تُقرأ بروح من الإنصاف، وأن تُستحضر بوصفها جزءًا من ذاكرة النقد والأدب في وطنٍ يزخر بأبنائه المبدعين.
رحم الله أبا مصلح، وجعل ما قدمه في ميزان حسناته، وبقي أثره شاهدًا على أن الفكر الصادق لا يغيب، وإن غاب صاحبه.




