لم يكن الطريق إلى المدينة المنورة طريقًا عاديًا، بل كان عبورًا هادئًا من ضجيج الدنيا إلى سكينة المعنى. كلما اقتربتُ منها، شعرتُ أن المسافة تقصر، لا لأن الطريق انتهى، بل لأن القلب سبق الجسد.
المدينة المنورة… طيبة الطيبة ، دار الهجرة ومهوى أفئدة المؤمنين ، هنا تغيّر الاسم، وتغيّر التاريخ، وتغيّرت القلوب. كانت يثرب، حتى أشرق عليها نور الإسلام، فصارت مدينة النور والسكينة، ومأوى الإيمان حين اشتد الأذى وضاقت الأرض بأهلها في مكة.
في هذه البقعة، فُتحت القلوب قبل البيوت ، استقبل الأنصار المهاجرين بإيمانٍ صادق، وآووهم ونصروهم، فكتب لهم الخلود في ذاكرة الإسلام. ثم جاء النبي محمد ﷺ مهاجرًا، فكانت الهجرة بداية فجر جديد، ومن هذه الأرض قامت دولة الإسلام الأولى، قائمة على الأخوة والعدل واليقين.
هنا تشكّل الوعي الأول، وتكوّن الجيش، وارتفعت رايات الحق ، من هنا انطلقت بدر، وأحد، والخندق، صفحات خالدة من الصبر والثبات.
ومن هنا مضى المسلمون حتى جاء يوم الفتح العظيم، يوم دخلوا مكة فاتحين، بلا انتقام، بل بعفوٍ وصفح، رسّخ معنى الرحمة قبل النصر.
ثم عاد ﷺ إلى مدينته التي أحب.
عاش بين أهلها.
واحتضنته أرضها.
ودُفن في ثراها الطاهر.
فازدادت شرفًا، وازداد نورها عمقًا لا يخبو.
في هذه المرة وفي احدث رحلاتي الايمانية وصلتُ (أنا) المدينة المنورة عند الثالثة عصرًا.
لم أحتج إلى دليل كي أشعر بالسكينة، فقد سبقتني إلى القلب. دخلتُ المسجد النبوي، فإذا بالروح تستريح، وإذا بالقلب يصفو كأنه توضأ من تعب الأيام. هناك، لا تصلي وحدك، بل تصلي السكينة فيك.
بعد صلاة العشاء، أخذني الشوق إلى مسجد قباء ، أول مسجد بُني في الإسلام ، مكان البدايات، حيث كان الإخلاص خالصًا، والعمل صافيًا، والنية هي العنوان.
تطهّرتُ، ومضيتُ إليه احتسابًا وشوقًا، أستحضر قول النبي ﷺ:
«من تطهّر في بيته ثم أتى مسجد قباء فصلّى فيه صلاة كان له كأجر عمرة».
كانت المسافة قصيرة، نحو أربعة كيلومترات، لكنها في الشعور أطول وأعمق. ممشى هادئ، وصمت جميل، وكأن الطريق نفسه يسبّح.
في قباء، يتباطأ الزمن، ويخشع القلب دون تكلف ، تشعر أنك قريب من البدايات الأولى، من الصفاء الذي لم تشُبه الضوضاء، ولا ازدحمت فيه النوايا.
المدينة المنورة ليست محطة، هي حالة ، من يدخلها، يدخل بهدوء ، ومن يغادرها، يترك جزءًا من قلبه فيها.
وتبقى…سكينة تُحكى، ونورًا يُعاش، وحنينًا يعود كلما ناداه القلب.
ـــــــــــ
*اديب وكاتب كويتي




