أحمد صالح حلبي
حينما يكون الحديث عن الماضي ، فإنه يحمل الكثير من المواقف والأحداث الجميلة والكلمات البليغة ، التي تجعلنا نقف عاجزين عن وصف أحداثها وتفسير معانيها .
وإن كان الماضي الجميل لا يعود كما يقال ، لكنه يتجدد في الذاكرة كلما حدث موقف أو ورد ذكر ، وكما يقال أنه ماض جميل ، فإنه يوصف بالماضي البسيط حيث توصف فيه الأعمال ببساطتها .
وهذه قصة رجل فقير تحول إلى غني ، رواها بريك بقوله : صادفت رجلًا كان فقيرًا معدمًا ، لدرجة أنه كان يبحث عمن يتصدق عليه ، لكنه رغم فقره، كان يتصدق على العمال والمحتاجين ، يعطيهم ما تيسر له أحدهم استنكر فعله قائلًا: "أنت تدور من يتصدق عليك وتعطي الناس؟!"
فرد الرجل بإيمان : "أعطيها الذي إذا أراد أن يغنيني أغناني".
وإن كان هذا حال الفقراء في الماضي ، وحرصهم على دعم بعضهم البعض ، فإن اللصوص لم يكونوا أقل منهم ، فــ " لصوص الماضي ، لا سيما في العصرين الجاهلي والعباسي، يُعرفون بـ"الصعاليك" أو "العيارين"، وتميزوا بوجود ميثاق أخلاقي يمنعهم من سرقة الجار، النساء، أو الفقراء، وغالباً ما سرقوا من الأغنياء لإطعام الفقراء، وكان منهم شعراء وفرسان مثل عروة بن الورد .
وهذا اللص الشاعر ( الصعلوك ) عروة بن الورد العبسي ، الذي ذكرت كتب التراث أنه " كان يسرق ليطعم الفقراء ويحسن إليهم، وكان فارساً وشاعراً " .
وهذا أدهم بن عسقلة الذي أوصى أعوانه قائلا : " لا تسرقوا امرأة ولا فقيراً ولا جارًا ، وإذا سرقتم بيتاً فاسرقوا نصفه واتركوا نصفه ليعتاشوا عليه، ولا تكونوا انذالاً ولا ظلمة ولا قتلة" .
فاين لصوص اليوم عن مثل هذه المواقف والوصايا ؟
إن لصوص اليوم لم يتجاوزوا السرقات المادية بل سرقوا المعنوية منها أيضا ، وذهبوا لاستخدام أساليب متنوعة ومتعددة من الكذب وجعلوا الحلف باليمين شعارا لهم ، ولم يكتفوا بالاحتيال والتزوير ، واستغلال المناصب بتعيين أقاربهم وابنائهم بوظائف لا يستحقونها ، وسرقة أموال الفقراء والمحتاجين بل سعوا لاستئجار الأبواق التي تلمع صورهم وتظهرهم كأمناء وأوفياء ، وهم في الحقيقة لصوص سرقوا كل شيء حتى الضمان المالي والنفسي سرقوه ، بقولهم إن ما يحصلون عليه ما هو سوى مكافآت مالية لقاء أعمال قاموا بها ، وتارة يسرقون بحجة أن النظام أجاز لهم الحصول على مقابل مالي للانتداب الداخلي والخارجي ، وتارة ثالثة يسرقون بتوصية يصدرونها فيما بينهم !
أما أكثر السرقات ألما هي تلك التي تحمل إغراءات لأصحاب الحقوق بحجة استثمار أموالهم وزيادة دخلهم ، فيصدق الضحايا القول ويفاجوا بضياع أموالهم .
إن لصوص اليوم عمدوا على توظيف التقنية واستطاعوا اختراق حسابات الضحايا البنكية ليس ليسرقوا جزءا من المال كما كان لصوص الأمس ، بل ليسرقوا كل شيء ، ولا يتركوا للضحية ما يشبع جوعه ويسد رمقه .
وهنا أسال ألم يكن لصوص الماضي محترمين ؟
ـــــــــــــــــــ
للتواصل :
ahmad.s.a@hotmail.com
ashalabi1380@




