في شهرٍ تتجلّى فيه القيم، وتصفو فيه النفوس، نفتح صفحات من نور لنستحضر سِيَر شخصياتٍ مكيةٍ صنعت أثرها بهدوء، وعملت بإخلاص، وخدمت مكة المكرمة وأهلها وقاصديها من حجاجٍ ومعتمرين، دون أن تبحث عن مالٍ يُجنى أو منصبٍ يُنال، بل جعلت من خدمة أقدس البقاع هدفًا ساميًا، اقتداءً بمؤسس هذه الدولة المباركة وأبنائه الملوك البررة – رحمهم الله جميعًا – الذين جعلوا خدمة أم القرى وضيوف الرحمن شرفًا ومسؤولية.
وأنا أقلب صفحات كتب تاريخ مكة المكرمة ، أوقفتني أسماء لشخصيات برزت وعملت بجد واجتهاد لخدمة مكة المكرمة وأهلها وقاصديها من حجاج ومعتمرين ، شخصيات لم تسع للبحث عن مال تجنيه أو منصب تصل إليه ، لكن هدفها انصب على خدمة أقدس البقاع مقتدين بمؤسس المملكة وأبناؤه الملوك البررة يرحمهم الله جميعا ، الذين جعلوا خدمة أم القرى وقاصديها هدف سام يسعون لتحقيقه دون النظر لمكسب مالي أو معنوي .
وطوال أيام شهر رمضان المبارك ، أدون بهذه الزاوية سيرا لشخصيات تركت بصمات واضحة في ذاكرة التاريخ لتروي للأجيال قصصا تحكي إنجازات تحققت بالإصرار والعزيمة .
وفي زاوية شخصيات مكية لهذا اليوم ، أتحدث عن أحد أبناء مكة المكرمة ، ومن سكنوا " ربع أطلع " الذي كانت تسكن فيه العديد من البيوت المكية منهم : بيت عبدالحي قزاز ، وبيت الراوة ، والسقطي ، والنبراوي ، والموصلي .
إنه الدكتور عبدالرحمن طه عبدالله بخش – يرحمه الله ـ المولود بمكة المكرمة عام 1355هـ ، وأول طبيب سعودي يتخصص في مجال جراحة المسالك البولية ، ومؤسس مستشفى بخش بجدة عام 1979م.
ولأننا في شهر رمضان المبارك ، فسأتوقف أمام ذكرياته وطفولته ومراحل شبابه الأولى ، والتي رواها لي في حديث صحفي نشر عام 1414 هـ .
إذا قال : " لشهر رمضان ذكريات كبيرة وكثيرة ، كنا نسهر في الليل ، وهذا في حد ذاته كان شيئا كبيرا ، ففي تلك الأيام لم تكن هناك كهرباء ، وكان السهر بالاتاريك والفوانيس وغيرها وعادة كل الناس كانوا يدخلون إلي بيوتهم بالكثير بعد العشاء ، لا تلفزيون ولا أي شيء من هذا القبيل ، ولم يكن هناك بديل إلا أن نقرأ " .
وواصل ـ يرحمه الله ـ قائلا : " مازلت أعيش مرحل الطفولة حتى الآن ، لأن هذه المرحلة ثابتة في ذهن الانسام وطبيعة التكوين البشري ـ إن الانسان عندما يكبر في السن يتذكر تفاصيل الأشياء القديمة أكثر من الأشياء الجديدة ، ولو سألتني عن واقعة حدثت قبل خمسين عاما وأخرى قبل خمس سنوات ، قد أصف لك الواقعة القديمة بتفاصيل أدق من الواقعة الحديثة .
وعندما أذكر مكة المكرمة دائما أذكر القشاشية والمسعى ، وبيتنا في المسعى ، ومدرسة الرحمانية فوق الحراج ، والمناطق التي أزيلت لكنها موجودة في الذاكرة ، واستطيع الآن أن أعد الدكاكين التي كانت في السعي ، ومن ضمنها دكان والدي ، وأقدر أعد دكاكين المسعى كلها من أول دكان عند المروة إلى آخر دكان عند الصفا وأسميهم بالأسماء دكان دكان !! "
وبرزت حب الدكتور عبدالرحمن للتعليم وتعلقه به منذ صغره ، ففي أول سنة أدخل المدرسة الرحمانية حصل على المركز الأول في الفصل في نهاية السنة ، وكان الشيخ عبدالله الساسي مدير المدرسة ، ومنحنه شهادة تمنح عادة " للبرنجية " أي الأوائل ، ولصغر سنه فقد حمله خاله لاستلم الشهادة .
والقارئ لسيرة الدكتور عبدالرحمن يلحظ مدى تعلقه بالعلم في المرحلة الثانوية ، وبرز اهتمامه بالرياضيات والعلوم والأحياء والمواد العلمية ، لكنه كما قال : لم يفكر في ذلك الوقت بأنه سيصبح طبيبا ، وكان يذاكر دروسه في دكان والده فترة الظهر حتى العصر فيحل مسائل الجبر ، والتمارين الهندسية .
وكان من أوائل الطلاب المبتعثين لمصر فحصل على درجة البكالوريوس في الطب والجراحة ، ثم نال درجة الماجستير في الجراحة العامة من جامعة عين شمس بمصر ، كما حصل على زمالة كلية الجراحين الملكية (F.R.C.S) في تخصص جراحة المسالك البولية من لندن عام 1966م.
ولأن الدكتور عبدالرحمن بخش ـ يرحمه الله ـ صاحب شخصية إنسانية فقد أدرك مدى معاناة الفقراء والمحتاجين فعمل على تخصيص غرفة مجانية باسم والده في مستشفياته بجدة في كل من مستشفى بخش ، ودار الشفاء ، ومستشفى الجزيرة ، وفي العيادات .
وحينما تحدثت عنها واردت تقديم الشكر له ، رد قائلا : لا اريد الحديث عن هذا العمل لأنه واجب ، " فالله سبحانه وتعالى تفضل علينا بنعمة الإسلام وتفضل علينا بأن نولد في مكة المكرمة ، وفضل الوالدين انهم أنجبونا وعلمونا وربونا وصرفوا علينا وكبرونا ، فلما نسوي شيء في مكة المكرمة فهو ليس تفضلا ، ولا أحب أن أتكلم في هذا الموضوع ، والمسألة أكثر من غرفة وأكثر من سرير ، ونحن تمر علينا حالات نستطيع بعد خبرتنا الطويلة أن نعرف أنها محتاجة فنتحمل عنها ، وهناك مبلغ مرصود لمثل هذه الحالات ، بنية أنها صدقة لوجه الله على والدينا ، ونحمد لله على ذلك " .
وفي مكة المكرمة كانت للدكتور عبدالرحمن ـ يرحمه الله ـ لمسات لا نسى فحينما يذكر مركز مكة الطبي ، يذكر اسمه باعتباره أحد مؤسسي المركز ، ومن ساهموا في وضع لبناته وبروزه وإظهاره ، كما أنه أحد مؤسسي جمعية أصدقاء السكر والمعاصرين .
واليوم وأنا نتحدث عن الدكتور عبدالرحمن طه بخش ـ يرحمه الله ـ كواحد من أبناء مكة المكرمة البررة ، فإنما أتحدث عن ابن عشق مسقط راسه ، وعمل على إسعاد الآخرين ، وليس لنا سوى الدعاء له بالرحمن والغفران بعد أن فارق الحياة أواخر يناير 2011 ووري جثمانه الثرى في مقبرة المعلاة بمكة المكرمة بعد الصلاة عليه بالمسجد الحرام ، تاركا اثرا لا يمحى وعملا يذكر .

ــــــــــــ
للتواصل :
ahmad.s.a@hotmail.com
ashalabi1380@




