تعاني الصحافة الإلكترونية اليوم أزمة حقيقية، أزمة سببها اتساع دائرة غير المختصين، ودخول دخلاء على المهنة لا يجمعهم بالصحافة سوى السعي وراء لقب "إعلامي"
هذه الفئة لا تميّز بين الخبر والمقال، ولا تعرف الفرق بين التقرير والتحقيق. تكتب بلا أدوات، وتنشر بلا وعي، وتحرص على الظهور في كل منصة ، الاسم هو الغاية، لا الكلمة ، الحضور هو الهدف، لا المضمون. أما المهنة، فآخر ما يُفكَّر فيه ، موادهم في الغالب ركيكة ، لغة ضعيفة ، محتوى فارغ ، اعتماد كامل على القص واللصق، بلا تحقق، ولا تدقيق، ولا إحساس بالمسؤولية. لا يسأل أحدهم عن أثر ما يكتب، ولا عن صحة ما ينقل. المهم أن يُنشر، وأن يظهر اسمه في الواجهة.
وتزداد المشكلة تعقيدًا حين تفتح بعض الصحف الإلكترونية أبوابها على مصراعيها ، تقبل أي مادة، وبأي مستوى ، بلا ميزان جودة، ولا تحرير مهني، ولا مراجعة ، فتتحول الصحافة من منبر وعي ورسالة إلى لوحة إعلانات عشوائية.
في زمن الصحافة الحقيقي، لم يكن يصل إلى كتابة الرأي إلا الصحفي المتمكن ، من تعلّم، وتدرّج، وأخطأ، ثم صحّح ، من عاش المهنة سنوات طويلة، وتكوّن وعيه قبل قلم ، كاتب الرأي كان يُصنع بالتجربة، لا بالاستعجال ولا بالشهرة الوهمية.
أما اليوم، فنرى من يكتب خبرًا أو خبرين، أغلبها منقول لا محرر، ثم يطالب مباشرة بنشر مقال رأي باسمه ، بلا خلفية ، بلا معرفة ، بلا أدوات ، وهو لا يملك الحد الأدنى من الخبرة التي تؤهله لذلك.
الصحافة ليست لقبًا ، وليست صورة ، وليست عدد متابعين، الصحافة مسؤولية، وأمانة، ومعرفة، وتراكم تجربة ، وإذا استمر هذا العبث، فالقارئ هو الخاسر الأول، والمهنة هي الخاسر الأكبر.
وفي صحيفتنا "شاهد الآن" ، كغيرها من الصحف الإلكترونية، واجهنا هذه الظاهرة بوضوح. حاولنا التقويم. عملنا على التوجيه والتعديل وتحسين الأداء. فتحنا باب التعلم، وقدّمنا الملاحظات بروح مهنية. لكن الواقع كان مؤلمًا.
كثيرون انسحبوا فور اصطدامهم بقواعد التحرير. ومن بقي، أصرّ بعضهم على الخطأ. لا لجهله بالصواب، بل لقناعته أنه وصل ، يستند إلى شهادة «ممارسة المهنة» من وزارة الإعلام، ويضع نفسه في خانة الإعلامي المحترف الذي لا يُناقش ، وهنا جوهر الإشكال ، الشهادة لا تصنع صحفيًا. والاعتماد لا يمنح الموهبة ، والمهنة لا تُقاس بورقة، بل بقدرة حقيقية على الفهم، والتحرير، وتحمل المسؤولية.
الإعلام، يا سادة، ليس عبثًا ، والصحافة، خصوصًا، ليست مساحة تجريب، ولا ساحة استعراض أسماء، هي مسؤولية كلمة ، واحترام ذائقة قارئ ، وأداء مهني يهدف أولًا إلى رفع شأن الصحيفة، قبل البحث عن بروز الكاتب، وإلى حفر الاسم في ذاكرة القارئ بشكل صحيح، لا مؤقت ولا مزيف.
الصحفي الحقيقي يعرف أن اسمه لا يعلو إلا بصدق ما يكتب، وبجودة ما يقدّم، وباحترام عقل القارئ ، وما عدا ذلك… ضجيج عابر، لا يصنع إعلامًا، ولا يبني صحافة ، هذا علمي وسلامتكم .




