يشهد قطاع التجزئة في المملكة العربية السعودية والعالم العربي تحولاً عميقاً تعكسه الصعود اللافت لمتاجر وصالات التخفيضات، التي تحولت خلال فترة وجيزة إلى أحد أسرع نماذج البيع انتشاراً. غير أن هذه الظاهرة تتجاوز مجرد البحث عن أسعار رخيصة، إذ تكشف عن ميلاد ما يمكن وصفه بـ "الذكاء الاستهلاكي" أي قدرة المستهلك على اتخاذ قرارات شرائية أكثر وعياً وعقلانية، في زمن تتبدل فيه معادلات السوق بسرعة قياسية.
تكشف الأرقام العالمية عن وتيرة نمو مطردة لهذا القطاع، حيث سجلت متاجر التخفيضات نمواً سنوياً يتراوح بين 5% و7% خلال السنوات الأخيرة. أما على صعيد العلامات التجارية الخاصة، فقد ارتفعت حصتها السوقية إلى نحو 19% عالمياً، مع توقعات بتجاوز ربع السوق بحلول عام 2030. وفي منطقتنا العربية، بلغ النمو السنوي لهذا القطاع حوالي 12% بين 2019 و2024، مدفوعاً بارتفاع تكاليف المعيشة، وإعادة ترتيب أولويات الإنفاق، وتزايد حساسية المستهلك تجاه معادلة القيمة مقابل السعر.
سلوك المستهلك: من العادة إلى الحساب
انعكست هذه التحولات بوضوح على أنماط الشراء (سلوك المستهلك) حيث أظهرت استطلاعات الرأي أن السعر بات العامل الحاسم بالنسبة لـ72% من المستهلكين الخليجيين. كما أعرب 58% عن استعدادهم لتجربة العلامات التجارية الخاصة إذا قدمت جودة مقبولة. وتراجعت ثقافة التخزين طويل الأجل لتحل محلها ثقافة الشراء عند الحاجة، مما يشير إلى نضج مالي متزايد وتخطيط أدق للميزانية، خاصة بين فئة الشباب والأسر متوسطة الدخل.
البعد الاقتصادي والاجتماعي تأثير يمتد إلى أبعد من الرفوف
لم يقتصر أثر هذه الظاهرة على المستوى الاستهلاكي فحسب، بل امتد ليشمل الاقتصاد المحلي والمجتمعات. فقد وفر انتشار المتاجر الاقتصادية في الأحياء والمدن مئات فرص العمل للشباب، سواء في المبيعات المباشرة، أو إدارة الفروع، أو سلاسل الإمداد والخدمات اللوجستية. كما فتح هذا النموذج آفاقاً جديدة لريادة الأعمال عبر الوكالات المحلية والتوزيع، مما أسهم في تنشيط الدورة الاقتصادية على المستوى المحلي.
تداعيات تنافسية إعادة تشكيل خريطة السوق ، أجبرت الموجة الجديدة من المنافسة سلاسل التجزئة الكبرى على إعادة هيكلة عملياتها، والبحث عن كفاءة تشغيلية أعلى، واعتماد أنظمة رقمية متطورة لإدارة المخزون وتقليل الهدر. ونتيجة لهذا الضغط التنافسي، انخفضت هوامش الربح في بعض السلاسل التقليدية إلى نحو 4.5%، مما دفع حوالي 40% منها إلى إطلاق خطوط اقتصادية خاصة للحفاظ على حصصها السوقية. في المقابل، واجهت المتاجر الصغيرة تحديات وجودية بعد خسارتها ما بين 12% و18% من حصتها خلال ثلاث سنوات فقط، مما يعكس حجم التحول في موازين القوى داخل السوق.
التقاطع مع الرقمنة ذكاءا في مواجهة بعضهما ، اللافت في هذا المشهد أنه يتزامن مع موجة التحول الرقمي الواسعة. فبينما يوظف الذكاء الاصطناعي لتحليل بيانات المستهلكين والتنبؤ بأنماط الطلب وتحسين الكفاءة التشغيلية، نجد المستهلك نفسه يمارس نوعاً من "التحليل الذاتي" لقراراته الشرائية، مستنداً إلى المقارنة والبحث الدقيق والتجربة المباشرة. إنه لم يعد يشتري بدافع العادة، بل بدافع الحساب والموازنة العقلانية.
إن صعود متاجر التخفيضات لا يعني بالضرورة تراجع الجودة، بقدر ما يعكس إعادة تعريف شاملة لمفهوم القيمة. فالمستهلك اليوم أكثر وعياً، وأقدر على الموازنة بين السعر والجودة، وأقل تمسكاً بولاءاته التقليدية إذا وجد عرضاً أفضل. وفي هذا السياق،
اخيرا :-
مما اكد بأن الذكاء الاستهلاكي لم يعد مجرد متلقٍ للتحولات، بل أصبح مشاركاً فاعلاً في صناعتها، معيداً رسم خريطة المنافسة في قطاع التجزئة ، ومنافساً قوياً للذكاء الاصطناعي على مسرح الاقتصاد الجديد.




