في شهرٍ تتجلّى فيه القيم، وتصفو فيه النفوس، نفتح صفحات من نور لنستحضر سِيَر شخصياتٍ مكيةٍ صنعت أثرها بهدوء، وعملت بإخلاص، وخدمت مكة المكرمة وأهلها وقاصديها من حجاجٍ ومعتمرين، دون أن تبحث عن مالٍ يُجنى أو منصبٍ يُنال، بل جعلت من خدمة أقدس البقاع هدفًا ساميًا، اقتداءً بمؤسس هذه الدولة المباركة وأبنائه الملوك البررة – رحمهم الله جميعًا – الذين جعلوا خدمة أم القرى وضيوف الرحمن شرفًا ومسؤولية.
وأنا أقلب صفحات كتب تاريخ مكة المكرمة ، أوقفتني أسماء لشخصيات برزت وعملت بجد واجتهاد لخدمة مكة المكرمة وأهلها وقاصديها من حجاج ومعتمرين ، شخصيات لم تسع للبحث عن مال تجنيه أو منصب تصل إليه ، لكن هدفها انصب على خدمة أقدس البقاع مقتدين بمؤسس المملكة وأبناؤه الملوك البررة يرحمهم الله جميعا ، الذين جعلوا خدمة أم القرى وقاصديها هدف سام يسعون لتحقيقه دون النظر لمكسب مالي أو معنوي .
وطوال أيام شهر رمضان المبارك ، أدون بهذه الزاوية سيرا لشخصيات تركت بصمات واضحة في ذاكرة التاريخ لتروي للأجيال قصصا تحكي إنجازات تحققت بالإصرار والعزيمة .
وفي زاوية شخصيات مكية لهذا اليوم ، أتحدث عن السيد / إسحاق عزوز ـ يرحمه الله ـ ، الذي سعدت بالالتقاء به عام 1414 هــ وأجريت معه حوارا صحفيا نشر بجريدة النـدوة تعرفت من خلاله على نشأته وحياته ، فهو من مواليد مكة المكرمة عام 1330 هـ ، نشأ وترعرع بها وتلقى دراستهِ بمدرسة الفلاح بها وتخرج منها عام 1347 هـ ، ثم أبتعث إلى بومباي في شهر رجب عام 1348 هـ ، ضمن بعثة ضمت عشرين طالباً لإتمام الدراسة الدينية العالية، ودرس على مجموعة من علماء وكبار أساتذة العالم الإسلامي، حيث أستقدمهم مؤسس المدرسة محمد علي رضا زينل إلى بومباي في الهند.
وعاد إلى المملكة بعد أن حصل على الدراسة العليا، وعين مدرساً في مدرسة الفلاح عام 1352هـ ، ثم عين عام 1355هـ ، مفتشاً في مديرية المعارف بمكة المكرمة ، ثم مديراً لتحضير البعثات عام 1356هـ ، ليعين بعدها مدرساً بمدرسة الفلاح في مكة المكرمة عام 1362هـ واختير عضواً في مجلس الشورى عام 1372هـ.
وعين وكيلاً لنائب رئيس مدارس الفلاح ومشرفاً عاماً على المدارس في عام 1378هـ ، وفي 28 شعبان 1380 هـ صدر الأمر بتعيينه وكيلاً لإمارة منطقة مكة المكرمة، وأستقال في 28 صفر 1381هـ ، وبقي خلال هذه الفترة مشرفاً على مدارس الفلاح.
يعتبر وأحد من الرعيل الأول الذي حمل مسؤولية تنشئة أجيال من المتعلمين المثقفين ، وخلال عمله بالتدريس لم يكن يهتم فقط بتلقين الطلاب للمناهج الدراسية ، وإنما كان يعتني إلى جانب ذلك بغرس القيم والمبادئ والمثاليات في نفوس طلابه ، ولذلك تخرجوا وهم على مستوى من العلم والثقافة والأخلاق .
ومن طلابه السيد أمين عطاس ، والدكتور محمد عبده يماني ، والدكتور فايز حسين ، وحسين محضر ، وهناك كثيرون يصعب حصرهم .
وحينما سألته ـ يرحمه الله ـ عن نشأته قال : " لم انشا في أسرة ثرية ، وكان والدي يهتم بتعليمنا كثيرا ، وقد درست بمدرسة الفلاح التي تخرجت منها في عام 1347 هــ وعينت بها مدرسا في عام 1348 هــ وفي شهر رجب من نفس العالم ذهبت إلى بومباي بالهند ضمن بعثة مكونة من عشرين مبتعثا كان نصفهم من خريجي مدرسة الفلاح بمكة المكرمة ، والنصف الثاني من مدرسة الفلاح بجدة ، وتلقينا في بومباي العلوم الشرعية على أيدي أساتذة متخصصين في علوم الشريعة اختارهم مؤسس مدارس الفلاح المرحوم محمد علي زينل على رضا لهذا الغرض واستقدمهم إلى بومباي حيث مقر عمله وأنفق عليهم مرتبات ومصاريف عالية جدا على حسابه الخاص ، حتى عادت البعثة إلى مكة المكرمة عام 1352 هــ بعد أن استكملنا دراستنا الدينية العالية بالإضافة إلى أنني كنت خلال البعثة أمارس أنواعا من الرياضة البدنية والكشافة ، وكان لهذه البعثة أثر كبير في تكوين شخصيتي " .
وللسيد / إسحاق عزوز ـ يرحمه الله ـ مع بناء المدارس قصص محفوظة ، فقال ـ يرحمه الله ـ : " كان لي شرف بناء أول مدرسة في الشبيكة ، وكنت في ذلك الوقت في مرحلة الشباب وكانت لي حظوتي عند كثير من الناس خاصة الأثرياء منهم ، وعندما طلبت منهم التبرع لبناء المدرسة لم يرد أحد منهم طلبي ، وكنا في مدارس بالإيجار في القشاشية وكان عددها خمس مدارس ، واحده فيها عبدالحي قزاز ، والثانية فيها بن حسن ، وواحدة فيها المعارف ، واثنتان للفلاح وكنا نحن فيهما ، وعندما توليت إدارة مدارس الفلاح في السبعينات علمت أن هذه المدارس ستهدم ضمن مشروع للتوسعة ، ففكرت في البناء وكانت هناك عمارة صغيرة بجوار البازان في الشبيكة كانت عبارة عن قهوة وهي ملك محمد علي زينل ، وكان مساعدي في ذلك الوقت محمد رضوان ، فسألته عما يملك من مال فقال بأنه يملك ألف ريال ، فقلت له هيا نبدأ بالهدم وبتوفيق الله استطعت أن أشتري الجزء المطل على قبور الشبيكة ، وبنينا المدرسة بالجهود الذاتية ، وبمساهمات أبناء مكة المكرمة ، حتى أن بعضهم كان يعطينا الاسمنت والبعض يعطينا الطوب ، وغيرهم يمدوننا بالمال حتى أكملنا بناء المدرسة ونقلنا إليها الطلاب " .
ولم يكتفي الأستاذ إسحاق ـ يرحمه الله ـ بهذا المبنى ، فقد كانت تطلعاته نحو إقامة مدرسة على مساحة واسعة ، تفي بالاحتياجات المستقبلية وتستوعب المزيد من طلاب العلم ، واتجهت أنظاره نحو ساحة إسلام التي كانت في ذلك الوقت ساحة للعب كرة القدم ، وحقق الله أمنيته حيث تكفل الشيخ إبراهيم الجفالي بشراء الأرض وجعلها وقفا لمدارس الفلاح ، كما ساهم في تكاليف البناء .
ولأننا في شهر رمضان المبارك ، وكان من بين اسئلتي له ـ يرحمه الله ـ عن العادات التي كانت سائدة خلال شهر رمضان في الماضي .
فأجابني بقوله : " كان الناس بعد صلاة التراويح يسهرون ويسمرون وكل جار يسأل عن جاره إذا غاب يوما أو ليلة ، ولم تكن هاك مشاكل من تلك التي النوعية التي نعيشها في هذه الأيام ، الكل متحابون ومتعاونون والحياة كانت بسيطة وسهلة ، والمظاهر الاجتماعية كانت كثيرة ومتنوعة وتظهر بشكل وأضح خلال المناسبات العامة " .
وتوفي السيد إسحاق عزوز يوم الاثنين 8/3/1415هـ ودفن في مقابر البقيع بالمدينة المنورة ، رحمه الله واسكنه فسيح جناته وغفر له .

ــــــــــــــ
للتواصل :
ahmad.s.a@hotmail.com
ashalabi1380@




