إنَّ رمضان ليس انقطاعاً عن القوت، بل هو انعتاقٌ من سلطةِ المحسوس؛ هو اللحظة التي يقرر فيها الكائن البشري أن يكسر قيد الغريزة ليتحرر في فضاء المعنى. في الصيام، تُمارس الروح نوعاً من "التزهّد الوجودي"، حيث يقلُّ ضجيج الجسد لتتصاعد همسات الروح، وكأن الجوع مِبردٌ يصقل مرآة النفس لتنعكس عليها أنوار الملكوت.
في هذا المحراب، يغدو القرآن الكريم هو "اللغة الأزلية" التي تكسرُ صمتَ الروح؛ إنه ليس مجرد كلماتٍ تُتلى، بل هو النور الكاشف الذي يعيدُ تعريف علاقتنا بالكون، فكلُّ آيةٍ هي درجةٌ في معراج التسامي، وكلُّ تدبرٍ هو اختراقٌ لحجب المادة وصولاً إلى جوهر الحقيقة.
أما السحر، فهو "برزخُ الزمن" بين الصمتِ والضياء. في لحظات السحور، نمارسُ فلسفة "التزودِ للمعنى"؛ هو الوقت الذي يرقُّ فيه الحجاب، حيثُ يمتزجُ طعامُ البدن بـ "قوتِ الروح" المستمد من الاستغفار، لتصبح تلك اللقيماتُ وقوداً لرحلةٍ لا تنتهي نحو النور.
ثم يأتي قيام الليل ليكون هو "ذروة الاتصال"؛ إنه الانتصابُ في حضرة الجمال الإلهي حين تنامُ العيون وتستيقظُ القلوب. في القيام، يتحرر المصلي من "ثقلِ الأرض" وجاذبية النوم، ليقف وحيداً في مواجهةِ الحقيقة. إنها لحظة "الفناءِ في المناجاة"، حيثُ يسقطُ الزمان والمكان، ولا يبقى إلا العبدُ وربّه في حوارٍ صامتٍ تترجمه السجدات.
وكأنَّ صمت السحر في "بغداد" ينسابُ كجريانِ دجلة في هدوئه، حيثُ تمتزجُ أنوارُ القيام بمآذن الكاظمية ونداءاتِ "أبي حنيفة"، لترسمَ لوحةً من العشقِ الإلهي لا تُدركُ كنهها إلا القلوبُ الظمأى للحق. ففي هذه المدينة التي علّمت التاريخ الحرف، يغدو رمضانُ قصيدةً بليغةً تُكتبُ بدمعِ المتهجدين، وتُقرأُ على مسامعِ الفجرِ لتقول:
"إنَّ الروح التي تقتاتُ على مائدة القرآن في سحر الليل، وتنتصبُ قائمةً في محراب القيام، هي روحٌ لا تعرفُ الظمأ أبداً؛ لأنها شربت من نبعِ الأزل قبل أن تشرق شمسُ الأجل."




