في شهرٍ تتجلّى فيه القيم، وتصفو فيه النفوس، نفتح صفحات من نور لنستحضر سِيَر شخصياتٍ مكيةٍ صنعت أثرها بهدوء، وعملت بإخلاص، وخدمت مكة المكرمة وأهلها وقاصديها من حجاجٍ ومعتمرين، دون أن تبحث عن مالٍ يُجنى أو منصبٍ يُنال، بل جعلت من خدمة أقدس البقاع هدفًا ساميًا، اقتداءً بمؤسس هذه الدولة المباركة وأبنائه الملوك البررة – رحمهم الله جميعًا – الذين جعلوا خدمة أم القرى وضيوف الرحمن شرفًا ومسؤولية.
وأنا أقلب صفحات كتب تاريخ مكة المكرمة ، أوقفتني أسماء لشخصيات برزت وعملت بجد واجتهاد لخدمة مكة المكرمة وأهلها وقاصديها من حجاج ومعتمرين ، شخصيات لم تسع للبحث عن مال تجنيه أو منصب تصل إليه ، لكن هدفها انصب على خدمة أقدس البقاع مقتدين بمؤسس المملكة وأبناؤه الملوك البررة يرحمهم الله جميعا ، الذين جعلوا خدمة أم القرى وقاصديها هدف سام يسعون لتحقيقه دون النظر لمكسب مالي أو معنوي .
وطوال أيام شهر رمضان المبارك ، أدون بهذه الزاوية سيرا لشخصيات تركت بضمات واضحة في ذاكرة التاريخ تروي للأجيال قصصا تحكي إنجازات تحققت بالإصرار والعزيمة .
وفي زاوية شخصيات مكية لهذا اليوم ، أتحدث عن الأديب والشاعر والمطوف الأستاذ / علي حسن أبو العلا ـ يرحمه الله ـ الذي سعدت وتشرفت بالالتقاء به أكثر من مرة وفي أكثر من مناسبة .
فهو من مواليد مكة المكرمة ، بها نشأ وترعرع ، التحق بكتاب العبادي في حي أجياد ، عاش حياة اليتم منذ طفولته فقد توفي والده ولم يتجاوز سنه العام ، وتولت عمته تربيته بعد زواج والدته ، وتلقى تعليمه الأولي بكتاب العبادي في حي أجياد ، ثم انتقل إلى المدرسة الأهلية ، واستمر في الدراسة حتى توفيت عمته فكفله عمه صدقة أبو العلا ، والتحق بالدراسة لدى الشيخ إبراهيم حلواني ـ رحمه الله ـ ، ثم انتقل إلى المدرسة الفيصلية ، وبعدها التحق بالمدرسة العزيزية ، ثم مدرسة تحضير البعثات لكنه لم يتمكن من إكمال دراسته بها .
التحق بالعمل الحكومي ، وتنقل بين عدد من الوظائف الحكومية ، فعمل في وزارة المالية، ووزارة الداخلية، وانتدب رئيسًا لبلدية جدة، ثم شغل منصب مستشار إداري في ديوان إمارة منطقة مكة، وكان آخر منصب يشغله هو منصب الوكيل المساعد لإمارة منطقة مكة المكرمة ، إضافة لشغله منصب سكرتير لجنة الحج المركزية .
عرف كشاعر وصدرت له 3 دواوين منها (سطور على اليم)، و(سطور فوق السحاب)، إلى جانب مقالاته المنشورة في الصحف.
وناشط اجتماعي ، فشغل عضوية المجلس البلدي بمكة المكرمة ، والجمعية الخيرية ، والعديد من الأندية والجمعيات السعودية ، إضافة لرئاسته للجنة توزيع أراضي منى ، ورئاسته للهيئة العليا للطوائف ـ الخاصة بالمطوفين ، والوكلاء ، والأدلاء ، والزمازمة ـ ، وتم اختياره ليكون اول رئيس لمجلس إدارة مؤسسة مطوفي حجاج الدول العربية .
وهو صاحب أول مكتب سياحي رسمي مرخص يفتتح في مدينة مكة المكرمة عام 1370هـ ، وحصل على وكالة الخطوط الجوية العربية السعودية ومعه الكندوني ولم يكن بمكة المكرمة سوى هذين المكتبين.
زرته في منتداه الأدبي الثقافي الخاص الذي أقامه في استراحته بالرصيفة ، وأجريت معه عدة لقاءات كان من بينها لقاء سألته عن حي الشبيكة الذي نشأ وترعرع به ، فرد ـ يرحمه الله ـ قائلا : حي الشبيكة وأحدا من أحياء مكة المكرمة وكان مجاورا للمسجد الحرام من الناحية الغربية ، وقد كان بعض الحجاج يفضلون ركوب العربات الافرادية إلى جدة ، أما الجماعية فكانت تتم بواسطة الجمال وكنا نشاهد الرحبات والأماكن الفسيحة في حي الشبيكة عند سفر الحجاج أو قدومهم وعند قدومهم كنا نشاهد الرحبات مليئة بعفش الحجاج في الصباح حتى ينتقلون إلى مساكنهم ، وعند السفر كنا نشاهد ما يسمى بالشقادف وكانت تعبأ ، وكانت محطة الشبيكة هي محطة لاستقبال الحجاج والجمال ونقلهم إلى عرفات ومنى ، وإلى المدينة المنور
وعن المسافة بين مكة المكرمة والمدينة المنورة قال ـ يرحمه الله ـ : " بالسيارة ثلاثة أيام ، أول ما بدأت السيارة لأن الطرق لم تكن مسفلته ، وكان الطريق مليء بالتغاريز الرملية وكانت السيارة تغوص في الرملة ثلاثة أيام أو أربعة حتى تأتي سيارة أخرى تسعفها
وكان الطريق صعبا جدا خاصة بئر الشيخ وكانت رملة بئر الشيخ ما يعدي منها إلا السواق الماهر ، وهي تقع بعد رابغ وهي محطة ، وهناك ريع الشاة .
وبئر الشيخ هو مسمى للبئر الموجود بالقرب من محطة لاستراحة السيارات ، وكانت صبخة رابغ وصبخة جدة تعطل السيارات ، وقبل ابحر كانت هناك منطقة يقال لها الكراع اذا هطلت الامطار فلا تستطيع السيارات عبورها وتطل السيارات محجوزة " .
وتوفي الأستاذ / علي أبو العلا يوم الاربعاء 22/4/1428 هـ ، وأوديت الصلاة على جثمانه عقب عصر بالمسجد الحرام ووري الثرى بمقابر المعلاة .
رحمه الله وأسكنه فسيح جناته وغفر له
ــــــــــــ
للتواصل :
ahmad.s.a@hotmail.com
ashalabi1380@




