في السنة السادسة للهجرة خرج رسول الله ﷺ وأصحابه معتمرين، لا يريدون حرباً ولا قتالاً، حتى بلغوا منطقة الحديبية على مشارف مكة، فصدّتهم قريش عن البيت الحرام .. هناك بدأت مفاوضات شاقة كان أبرز ممثلي قريش فيها سهيل بن عمرو، وانتهت بصلحٍ عُرف في التاريخ بـ«صلح الحديبية» .
بدت الشروط في ظاهرها قاسية على المسلمين؛ هدنة عشر سنوات، والعودة ذلك العام دون عمرة، ومن أتى مسلماً من قريش إلى المدينة يُرَدّ إليهم، ومن رجع من المسلمين إلى قريش لا يُرَدّ .. حتى إن بعض كبار الصحابة تألموا وغضبوا لشدّة ما رأوا في الشروط من إجحاف لكنهم امتثلوا لأمر النبي ﷺ، تسليماً وطاعةً وثقةً بوعد الله .
ومن المواقف المؤثرة في ذلك اليوم اعتراض سهيل على كتابة «محمد رسول الله» في نص المعاهدة، قائلاً : لو كنا نؤمن أنك رسول الله ما قاتلناك !!
فأمر النبي ﷺ عليّ بن أبي طالب أن يمحوها ويكتب «محمد بن عبد الله»، فتردد عليّ رضي الله عنه أدباً مع رسول الله، فمحاها النبي ﷺ بيده الشريفة، في درسٍ عظيم أن الثبات على المبدأ لا يعني التصلب في الألفاظ، وأن العبرة بحقائق الأمور لا بمظاهرها .
تساءل بعض الصحابة : كيف نُعيد من جاءنا مسلماً ؟!
وهل يعقل أن يدخل قلبه النور ثم يعود إلى الظلام ؟!
وهنا تتجلّى حكمة السماء في قوله تعالى: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾. فقد كان في ظاهر الصلح مكسبٌ لقريش، لكنه في حقيقته اعترافٌ صريح بدولة المسلمين في المدينة، واعترافٌ بكيانٍ سياسيٍّ مستقلٍّ له حق التفاوض والعقد .
ثم كشفت الأيام ما وراء الستار؛ فخلال عامين فقط انتشر الإسلام في الجزيرة انتشاراً عظيماً، ودخل الناس في دين الله أفواجاً، وتهاوت هيبة قريش، حتى نقضوا العهد بأنفسهم، فكان ذلك سبباً مباشراً في فتح مكة في العام الثامن للهجرة، ودخولها تحت راية التوحيد .
لقد علّمنا صلح الحديبية أن النصر ليس دائماً في المواجهة المباشرة، وأن التنازل المرحلي قد يكون فتحاً استراتيجياً، وأن الثقة بالله فوق حسابات البشر .. وما ظنه البعض يومها ضعفاً كان في ميزان السماء فتحاً مبيناً .
وهكذا تجلّت حكمة القيادة النبوية : بصيرةٌ ترى ما وراء اللحظة، وثقةٌ بوعد الله لا تهتز ، حتى صدق الوعد ، وتمّ الفتح ، وارتفعت كلمة الله .
ـــــــــــ
*أديب وكاتب كويتي




