يا أمةً صاغها الوحيُ من نورِ النبوة، وسبكها التاريخُ في بوتقة المجد حتى استقامت كالفجر الصادق في ليلِ الحائرين، يا من نطقوا الضاد فاهتزت لها منابرُ الحكمة، وتحزّموا بالكرامة في فيافي العز ومروج الإباء من الأطلس الهادر إلى الخليج الساجي؛ إننا اليوم لا نقفُ على ثغور الجغرافية التي رسمها الغريب بمداد الفرقة ونصل التجزئة، بل نقفُ على ثغور الروح التي لا تفرق بين نبضٍ ونبض، ولا بين شطٍّ وشط. إن الدم العربي الذي يجري في عروق أهلنا من وهران والأردن إلى بغداد والكويت، ومن نجدٍ واليمن إلى تطوان وموريتانيا، وإلى سائر أرض العرب من المحيط إلى الخليج، هو سرُّ الوجود المعمّد بعبق التاريخ، هو خيطُ الشمس الذي يربط القلوب بمكة، والضمائر بالقدس، والأرواح بكل شبرٍ وطأته خيلُ الفاتحين. نحن أمةٌ جُبلت من طينة الوفاء، وترعرعت على مأدبة "القرآن" الذي صهرنا في بوتقة "الأخوة في الله" حتى صرنا كالبنيان المرصوص، يشدُّ بعضه بعضاً، فبأي آلاء ربكما تكذبان حين تتركون حبل الله المتين وتلتفتون لصرخات فتنةٍ ينفخ في كيرها لاعبون خلف البحار، يبتسمون في وجوهنا كذباً ويغرسون خناجرهم في خواصر أمننا القومي؟ إنهم، وتلك القوى التي تحيك الدسائس في الغرف المظلمة، لا يرقبون فينا إلا ذمةً ولا إلاً، يتربصون الدوائر بوحدتنا، وينتظرون اللحظة التي يكسر فيها الإخوة "الجرة" ليتسللوا كالأفاعي من ثقوب خلافاتنا، محولين أرضنا إلى ساحات بديلة لتصادم أرادتهم، ومختبراتٍ لأسلحتهم، ومخازن لثرواتنا التي يحلمون بنهبها فوق أشلاء أحلامنا. يا عقلاء القوم، ويا حكماء العروبة، إن السيادة الحقيقية والكرامة السامقة ليست في خصام الجار الذي يشاطرك القبلة واللغة والمصير، بل في "تضييق الخناق" على المحرض الأجنبي الذي يقتات على جراحنا، وفي ردم الخنادق التي يحفرها "الوسيط الغريب" ليفصل بين الأخ وأخيه. إن التاريخ لا يرحم الضعفاء المنقسمين، والزمان يسجل بمدادٍ من نور أن قوتنا في "اللحمة" التي تجعل من وجع البصرة أنيناً في مراكش، ومن استقرار الكويت فخراً لدمشق والقاهرة، ومن عزة الرياض قوةً للخرطوم وتونس. نحن الجسد الواحد الذي إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى، نحن الورثة الشرعيون لرسالةٍ نبويةٍ جاءت لتتمم مكارم الأخلاق، وتُعلي شأن "الجار" حتى كاد أن يورثه الشرعُ كالأهل.
فلنكن كباراً بحجم هذه الرسالة العظيمة، ولنصمَّ آذاننا عن ناعق الفتنة الذي يريد أن يحيل أرضنا حطباً لنارٍ يوقدها غيرنا ليدفئ عليها مصالحه الاستعمارية. لنعد إلى رشدنا، ولنتمسك بعروتنا الوثقى، ولنعلم أن "خيمة العرب" لا تقوم بغير أعمدتها مجتمعة، وأن أي رصاصةٍ تخرج بين الإخوة هي رصاصةٌ بتمويلٍ خارجي وقلبٍ لا يعرف العروبة. فليسمع العالم أجمع: نحن أمةٌ قد تمرض بالفتنة لكنها لا تموت، قد تتعثر بالخلاف لكنها بالوحدة تستقيم، فمصيرنا واحد، ودمنا واحد، وإلهنا واحد، وما دون ذلك ليس إلا زبداً يذهب جفاءً، وما ينفع الناس هو ما يمكث في الأرض من وحدةٍ وعزةٍ وإباءٍ تخرُّ لها الجباه. أرجو من عقلاء أمتي إيصال مقالي هذا لكل الحكام العرب عسى إن ينتفع منه، وإن تدرءُ الفتنةِ لإنها ليس موقفَ ضعفٍ
ولا تراجعاً عن قولِ الحقّ،بل هو حكمةُ قلبٍ يعرفُ متى يتكلم ، وكيف يتكلم ، ولأجلِ من يتكلم. الفتنةُ أحبتي شرارةٌ صغيرة، قد تُشعلُ حقولَ القلوبِ اليابسة، فإن لم نجدْ من يطفئها ، امتدّ لهيبُها ، وأحرقت الأخضرَ واليابس.
درءُ الفتنةِ يا غوالي أن نغلبَ الظنَّ بالحسنى، وأن نكفَّ ألسنتنا ، عن تأويلِ النوايا، وأن نردَّ الإساءةَ بالحِلم، والغضبَ بالتعقّل، والاندفاعَ بالتثبّت ، هو أن نختارَ الصمتَ ، حين يكونُ الكلامُ وقوداً،
وأن نختارَ البيانَ ، حين يكونُ الصمتُ خيانةً للحقّ. درءُ الفتنةِ سلوكُ العارفين بثقلِ الكلمة، وبأنّ سلامةَ الصفِّ ، مقدّمةٌ على انتصارِ الذات.
فطوبى لمن كان جسراً ، لا جداراً، ومطفئاً للشرر ، لا نافخاً فيه.




