رمضان في مكة ليس شهرًا عابرًا ، هو حالة إيمانية كاملة ، روح تُلامس القلب قبل الجوارح ، عشت الصيام في أماكن كثيرة، داخل الوطن وخارجه ، كان آخرها في الغرب، وتحديدًا في الولايات المتحدة الأمريكية ، هناك أجواء جميلة في تجمعات المسلمين ، ومساجد عامرة، ومحاولات صادقة لصناعة روح رمضان ، تشعر بأنك في شهر كريم، شهر عبادة ومكرمات ، لكن تبقى التجربة مختلفة.
مكة شيء آخر ، لا يمكن وصفها ، ولا يعرف حقيقتها إلا من عاشها ، المسجد الحرام ليس مسجدًا فحسب ، هو قلب نابض بالإيمان ، الطواف، السعي، الصلاة، البكاء الصامت، والدعاء الذي يخرج بلا تكلّف ، الجلوس في ساحاته عبادة ، والنظر إلى الكعبة عبادة ، والزحام نفسه ومواجهته عبادة.
مكة في رمضان تُربّي وتعود على الصبر ، تعلّمك أن تتعبد وأنت متعب ، أن تذكر الله وأنت تزاحم الملايين ، وأحسب – والله أعلم – أن أهل مكة وسكانها يُؤَجِّرُونَ على هذا الزحام ، فهو قدرهم، وعبادتهم اليومية.
الأحياء المكية حكاية أخر ، سلوك الناس مختلف ، السكينة حاضرة ،الخير ظاهر ، الابتسامة، التسامح، ومراعاة الصائم ، تفاصيل لا تُكتب، بل تُعاش.
حتى طقس مكة له روحه ، في شتاء رمضان، الأجواء معتدلة، رحيمة ، وفي صيفه، الحرارة مضاعفة، والجهد أكبر، والأجر أعظم ، كل فصل له أثره، وكل تعب له لذّته.
ورمضان نفسه في مكة ليس مستوى واحدًا، العشر الأُوَل غير الوسطى ، والوسطى غير الأخيرة ، لكل عشر نكهتها، وشعورها، ووقعها على القلب.
كنا قديمًا ننتظر العشر الأواخر ، ننتظر قدوم المعتمرين ، اليوم، الشهر كله موسم عمرة ، الداخلية والخارجية ، ليلًا ونهارًا ،ازدحام لا ينقطع، ونفوس جاءت تبحث عن الله.
حتى أحياء مكة القريبة من الحرم ليست كغيرها ، كلما اقتربت، زادت الروحانية ، وكلما ابتعدت، بقي الأثر، لكنه أخف.
للحرم جاذبية خاصة ، يسحب القلوب قبل الأقدام ، مكة في رمضان لا تُوصَف. ولا تُنقَل بالكلمات ، هي تجربة.
في مكة – ياساده ياكرام - لا نستخدم مركباتنا حين نتجه إلى مركزية الحرم ، نعرف الطرق ، وتمرّسنا على الزحام ، نحسب الوقت بالخطوات، لا بالدقائق.
لكن الحكاية تختلف مع الأصدقاء الزائرين والمعتمرين ، تبدأ المعاناة الجميلة، كما نسميها ، حين يأتيك عزيز، خاصة في العشر الأواخر أو قبلها بقليل، ويسكن في المنطقة المركزية للحرم المكي الشريف ، تشتاق إليه.
تريد زيارته ، السلام عليه فقط ، لكن الزيارة هنا ليست قرارًا عاطفيًا، بل خطة محكمة ، لا بد من ترتيب خاص - رغم أن اهل مكة ادرى بشعابها - ، تحتاج إلى توقيت دقيق ، مسار مختصر ، نقطة التقاء واضحة ، وخيارات بديلة إن تعثّر الأول ، الطريق القصير قد يطول ، واللقاء السريع قد يتأخر ومع ذلك نمضي، لأن الشوق أقوى من التعب.
وحين تخرج للصلاة أو للعمرة، تتحول فجأة إلى زائر ، تشعر بما يشعر به القادم من خارج مكة ، تزاحم، تنتظر وتصبر وتبتسم ، تعيش التجربة كاملة، لكن بعين ابن المكان ، هنا تتبدل الأدوار ، أنت المكي الذي يعرف،
وأنت في الوقت نفسه المعتمر الذي يذوب شوقًا.
وهذه من خصوصيات مكة ، أن تجمع بين المعرفة والدهشة ، بين الاعتياد والرهبة ، بين أنك من أهلها ،ومع ذلك لا تشبع منها أبدًا.
من حينا القديم غرب المسجد الحرام المسافة ليست بعيده ولاهي قريبه نأخذها مشيا على الاقدم طوال الشهر بل وحتى في غير رمضان أيام الجمع ، لأنك عندما تمشى لا تشعر بشي لان الجميع من حولك يمشي الكبير والصغير والقوي والضعيف الرجل والمراءة
هذه مكة من عاشها عرف ، ومن لم يعشها… سيبقى يقرأ عنها فقط، ويظل الامن والامان في البلاد عموما وفي مهبط الوحي عاملا مهما لتحقيق كل ماذكر هذا علمي وسلامتكم





التعليقات 1
1 ping
الراءد..ج.محمد.البرنوصي الراءد القيدوم.ج.م.ب
26/02/2026 في 9:00 ص[3] رابط التعليق
حفظك الله..وحفظ اسلوبك الذي خطته اناملك..وبارك الله.في عمرك واسدل عليك اردية الرضا والرضوان المستدام بصحة وعافيةالى ما شاء الله….تسلم…..