في شهرٍ تتجلّى فيه القيم، وتصفو فيه النفوس، نفتح صفحات من نور لنستحضر سِيَر شخصياتٍ مكيةٍ صنعت أثرها بهدوء، وعملت بإخلاص، وخدمت مكة المكرمة وأهلها وقاصديها من حجاجٍ ومعتمرين، دون أن تبحث عن مالٍ يُجنى أو منصبٍ يُنال، بل جعلت من خدمة أقدس البقاع هدفًا ساميًا، اقتداءً بمؤسس هذه الدولة المباركة وأبنائه الملوك البررة – رحمهم الله جميعًا – الذين جعلوا خدمة أم القرى وضيوف الرحمن شرفًا ومسؤولية.
وأنا أقلب صفحات كتب تاريخ مكة المكرمة ، أوقفتني أسماء لشخصيات برزت وعملت بجد واجتهاد لخدمة مكة المكرمة وأهلها وقاصديها من حجاج ومعتمرين ، شخصيات لم تسع للبحث عن مال تجنيه أو منصب تصل إليه ، لكن هدفها انصب على خدمة أقدس البقاع مقتدين بمؤسس المملكة وأبناؤه الملوك البررة يرحمهم الله جميعا ، الذين جعلوا خدمة أم القرى وقاصديها هدف سام يسعون لتحقيقه دون النظر لمكسب مالي أو معنوي .
وطوال أيام شهر رمضان المبارك ، أدون بهذه الزاوية سيرا لشخصيات تركت بضمات واضحة في ذاكرة التاريخ تروي للأجيال قصصا تحكي إنجازات تحققت بالإصرار والعزيمة .
وفي زاوية شخصيات مكية لهذا اليوم ، أتحدث عن شخصية مكية جمعت بين المكانة الاجتماعية والأعمال الإدارية ومناصبه المتعددة وتركت أثرا علميا حفظت الكتب والمراجع ، إنه الأستاذ / عمر بن يحيى عبد الجبار ـ يرحمه الله ـ ، الذي وإن لم أتشرف بالالتقاء به لصغر سني حينها ، وعدم التحاقي بالعمل الصحفي ، غير أن مدرسته التي عرفت بمدرسة الزهراء ، ودرست بها شقيقتي وابنة عمتي ، لازالت محفورة بالذاكرة ، وتجددت ذكراها حينما قرأت كتاب " أبونا عمر ... تميز وريادة واصالة " ، الذي يروي قصة المربي الفاضل عمر يحي عبدالجبار ـ رحمه الله ـ ، وروتها أ . د . ابتسام عبدالرحمن حلواني ، وشاركت في إعداد وتوثيق الكتاب وإخراجه مجموعة من طالبات المدارس تقديرا ووفاء منهن للأستاذ عمر عبدالجبار ـ يرحمه الله ـ ، الذي ولد بمكة المكرمة عام 1318هـ، وتلقى تعليمه بها ، وترجم مكانته الاجتماعية وآثاره العلمية الشيخ زكريا بيلا في كتابه ( الجواهر الحسان) .
ورغم أن الأستاذ / عمر يحي عبدالجبار ـ رحمه الله ـ ، تقلد عدة مناصب إدارية منها :
مدير إدارة الأيتام ، ومساعد مدير المعهد العلمي السعودي ، ومدير شرطة الحرم ، ومدير شرطة الآداب ، وضابط في الأمن العام ، ومفتش في أمانة العاصمة ، و مدير عام الجوازات ، إلا أن اهتمامه بالعلم وخدمة طلابه ظل ملازما له ، وهذا ما برز من خلال افتتاحه لمكتبة المعارف الواقعة بالقرب من باب الزيادة بالحرم المكي الشريف ، والتي تفردت ببيع الكتب الدراسية والكتب الحديثة .
وقال عنها الأستاذ / عبد العزيز الرفاعي ـ يرحمه الله ـ : " كان أستاذنا الشيخ عمر عبد الجبار يرحمه الله معنياً بالكتب المدرسية، يستوردها ويؤلفها، ويستورد أيضاً جانب من الكتب الحديثة، وعن طريقه عرفت كتاباً عن الأدب العراقي الحديث، فيه مشاهير من شعرائه منهم: البصير، والجواهري ، والرصافي، والزهاوي وغيرهم...».
ويعتبر الأستاذ / عمر عبد الجبار ـ يرحمه الله ـ أول من أسس مدرسة للبنات في مكة المكرمة- وهي أول مدرسة تضم المرحلة المتوسطة على مستوى المملكة العربية السعودية ، وأول من أسس الكشافة السعودية .
ومن أوائل من ساهموا في تأليف المناهج الدراسية في العلوم الدينية والعربية والاجتماعية على مستوى التعليم العام ، وساهم في نشر الكتب .
رحم الله الأستاذ عمر يحي عبدالجبار الذي توفي يوم الاثنين 16 محرم 1391 هــ ، تاركا اثرا علميا ومكانة اجتماعية ، ومحبة لازالت ساكنة بأفئدة الكثيرين .
ــــــ
للتواصل :
ahmad.s.a@hotmail.com
ashalabi1380@




