منذ عقود عُرفت دول الخليج العربي بأنها تُغلِّب لغة العقل والمنطق وتقدّم الحكمة على الانفعال وتوازن بين الثوابت والمصالح في أحلك الظروف .
وفي خضم الحرب الأخيرة بين الولايات المتحدة والكيان الصهيوني من جهة وإيران من جهة أخرى برز هذا النهج الخليجي الرشيد بوضوح .
أولاً، أعلنت دول الخليج موقفها الرافض لتوسيع رقعة الحرب وعبّرت بوضوح عن معارضتها الشديدة لأي تصعيد عسكري يهدد أمن المنطقة واستقرارها .. لم تكن تلك المواقف بيانات عابرة بل سياسة ثابتة تنطلق من إدراك عميق بأن الحروب لا تجلب إلا الدمار وأن شعوب المنطقة هي أول من يدفع الثمن .
وثانياً، جاء الرفض المطلق لاستخدام القواعد العسكرية أو الأجواء الخليجية لأي هجوم على إيران تأكيداً لاستقلال القرار الوطني وحرصاً على عدم تحويل أراضي هذه الدول إلى منصات صراع .
لقد اختارت دول الخليج أن تكون جزءاً من الحل لا جزءاً من المشكلة وأن تحمي سيادتها ومصالح شعوبها فوق كل اعتبار .
لكن المفارقة المؤلمة أن إيران بدلاً من تركيز ضرباتها على من تعتبرهم خصومها المباشرين وجّهت صواريخها وطائراتها المسيّرة نحو دول خليجية والأردن رغم وضوح موقف هذه الدول الداعي إلى التهدئة .. وكان الأولى – إن كانت تدّعي المواجهة – أن تكثف هجماتها على الكيان الصهيوني الذي تصفه بأنه العدو لا أن توسّع دائرة النار لتطال دولاً عربية سعت لتجنيب المنطقة ويلات الحرب .
ومع ذلك أثبتت دول الخليج ومعها الأردن جاهزية عالية وكفاءة دفاعية متقدمة حيث تصدت للهجمات بكل احترافية وحمت أجواءها وأراضيها وطمأنت شعوبها بثبات مؤسساتها وقوة منظوماتها الدفاعية .
لقد كشفت هذه الحرب أن هذه الدول لم تعد فقط تدعو إلى السلام بل تملك أيضاً القدرة على فرض معادلة الردع حين تُمسّ سيادتها .
إن ما خرجت به دول الخليج والأردن من هذه الأزمة ليس مجرد نجاح دفاعي بل تعزيز لمكانتها الإقليمية وترسيخ لصورتها كدول عاقلة في قرارها .. قوية في دفاعها، ثابتة في مواقفها .. فالحكمة حين تقترن بالقوة تصنع توازناً جديداً .. وتمنح الشعوب أملاً في مستقبل أكثر أمناً واستقراراً .
حفظ الله دول الخليج العربي والأردن، وحفظ شعوبها وقيادتها من كل سوء ، وجعل أمنها واستقرارها دائماً وأبداً حصناً منيعاً في وجه الفتن والحروب .
ــــــــــــــــــــ
*كاتب وأديب كويتي




