في شهرٍ تتجلّى فيه القيم، وتصفو فيه النفوس، نفتح صفحات من نور لنستحضر سِيَر شخصياتٍ مكيةٍ صنعت أثرها بهدوء، وعملت بإخلاص، وخدمت مكة المكرمة وأهلها وقاصديها من حجاجٍ ومعتمرين، دون أن تبحث عن مالٍ يُجنى أو منصبٍ يُنال، بل جعلت من خدمة أقدس البقاع هدفًا ساميًا، اقتداءً بمؤسس هذه الدولة المباركة وأبنائه الملوك البررة – رحمهم الله جميعًا – الذين جعلوا خدمة أم القرى وضيوف الرحمن شرفًا ومسؤولية.
وأنا أقلب صفحات كتب تاريخ مكة المكرمة ، أوقفتني أسماء لشخصيات برزت وعملت بجد واجتهاد لخدمة مكة المكرمة وأهلها وقاصديها من حجاج ومعتمرين ، شخصيات لم تسع للبحث عن مال تجنيه أو منصب تصل إليه ، لكن هدفها انصب على خدمة أقدس البقاع مقتدين بمؤسس المملكة وأبناؤه الملوك البررة يرحمهم الله جميعا ، الذين جعلوا خدمة أم القرى وقاصديها هدف سام يسعون لتحقيقه دون النظر لمكسب مالي أو معنوي .
وطوال أيام شهر رمضان المبارك ، أدون بهذه الزاوية سيرا لشخصيات تركت بضمات واضحة في ذاكرة التاريخ تروي للأجيال قصصا تحكي إنجازات تحققت بالإصرار والعزيمة .
وفي زاوية شخصيات مكية لهذا اليوم ، أتحدث عن شخصية مكية تشرفت بالالتقاء بها على مدى سنوات ، إنه معالي الدكتور محمود بن محمد سفر السفياني وزير الحج السابق ـ يرحمه الله ـ ، المولود في مكة المكرمة أواخر شهر رمضان المبارك عام 1359 هــ ، والذي عاش حالة اليتم بعد وفاة والدته وعمره لم يتجاوز السنة ، وتكفلت جدته بتربيته وشقيقته التي كانت رضيعة لم تتجاوز السبعة أيام .
تلقى الدكتور محمود ـ يرحمه الله ـ تعليمه العام بمكة المكرمة وتحديدا في مدرسة الفلاح ، وعقب حصوله على الشهادة الثانوية ابتعث للدراسة بجامعة القاهرة فحصل على درجة بكالوريوس في الهندسة المدنية من كلية الهندسة ، ثم الماجستير في ميكانيكا التربة وهندسة الأساسات من جامعة ستانفورد بكاليفورنيا بالولايات المتحدة الأمريكية ، وحصل الدكتوراه في الهندسة الجيوتقنية من جامعة ولاية كارولينا الشمالية بالولايات المتحدة الأمريكية ، ودبلوم الإدارة العليا من جامعة ستانفورد بكاليفورنيا بالولايات المتحدة الأمريكية .
وبرز شغفه ـ يرحمه الله ـ بالعلم والتعليم منذ دراسته بجامعة الملك سعود مما مكنه من العمل كمعيد بكلية الهندسة خلال عامي 1384هـ و 1385 هـ ، وهو ما برز أيضا أثناء اعداده لأطروحة الدكتوراه بجامعة كارولينا الشمالية ، حيث قام بالتدريس بها .
وعقب عودته عين أستاذاً مساعداً لمادة «ميكانيكا التربة وهندسة الأساسات» بكلية الهندسة بجامعة الملك سعود ، كما اختير عضواً بمجلس كلية الهندسة بجامعة الملك سعود ، وتقلد العديد من المناصب بها إلى أن صدر قرار مجلس الوزراء بتعيينه أميناً عاماً للمجلس الأعلى للجامعات ، ليعين بعدها بعام وكيلاً لوزارة التعليم العالي بقرار من مجلس الوزراء .
كما تولى منصب نائب رئيس الهيئة العليا لجائزة الملك فيصل العالمية ، وشارك في تأسيس الندوة العالمية للشباب الإسلامي، وعين عضوا بمجلس إدارتها
واختير بإجماع الدول المؤسسة لجامعة الخليج العربي بالبحرين كأول رئيس مؤسس للجامعة في مايو من عام 1984 م وشغل هذا المنصب من 29/9/1984 م وحتى 28/9/1988 م
وصدر الأمر الملكي رقم أ/1 بتاريخ 20/1/1414 هـ، بتعـيينه وزيراً للحـج ، وتشرفت حينها بالالتقاء به في أكثر من مناسبة ، وإجراء أكثر من حوار ولقاء صحفي معه ـ يرحمه الله ـ .
ومن ابرز أعماله أثناء توليه وزارة الحج ، إصدار اللائحتان المالية والإدارية لمؤسسات الطوافة والمؤسسة الأهلية للأدلاء ومكتبي الوكلاء والزمازمة ، وفي عهده ألزمت مؤسسات أرباب الطوائف التي تضم المطوفين ، والوكلاء ، والأدلاء ، والزمازمة بعقد اجتماع للجمعية العمومية للموافقة على الميزانية .
وهو أيضا أول وزير حج يقوم بجولات ميدانية مفاجئة خلال موسم الحج على مكاتب خدمات ومقار سكن الحجاج ، وفي عهده برز مركز تدريب العاملين في الحج والعمرة والذي يعمل على إعداد وتنظيم الدورات التدريبية لتأهيل العاملين في خدمات الحجاج قبل موسم الحج .
توفي الدكتور محمود سفر، يوم السبت 30 جمادى الأولى 1444هـ ، ووري جثمانه الثرى بمقابر المعلاة عقب الصلاة عليه بالمسجد الحرام .
ــــــــــــــــــ
للتواصل :
ahmad.s.a@hotmail.com
ashalabi1380@




