لأن التاريخ لا ينسى، فإن السجلات الدولية تشهد بحروف من نور بأن المملكة العربية السعودية لم تكن يوماً مجرد رقم في خارطة دعم ومساندة وإغاثة الملهوف في كافة أنحاء العالم، سواءً كانوا من الأشقاء المسلمين والعرب أو من غيرهم، بل كانت المملكة دائماً "صمام أمان" وإغاثة في الأزمات العالمية.
وهذا النهج ليس وليد الصدفة، بل هو ركيزة أساسية في سياسة الدولة منذ تأسيسها على يد الملك المؤسس عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود - طيب الله ثراه-، وخلفائه من الملوك البررة - رحمهم الله جميعاً-، وصولاً إلى العهد الزاهر لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز وسمو ولي عهده الأمين الأمير محمد بن سلمان - حفظهما الله-.
وإذا كان هذا النهج الإنساني المقدر يتم مع القريب والغريب.. ومع القاصي والداني، فما بالنا إذا تعلق الأمر بالأشقاء من دول مجلس التعاون الخليجي.
وفي هذا السياق.. ونظراً لاندلاع نيران الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من ناحية وإيران من ناحية أخرى مؤخراً، جاء التوجيه الكريم من لدن خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، في الثامن والعشرين من فبراير المنقضي (11 رمضان 1447هـ)، بالموافقة على استضافة جميع العالقين في مطارات السعودية من مواطني دول مجلس التعاون الخليجي، وذلك بناءً على ما عرضه الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز ولي العهد رئيس مجلس الوزراء.
وقد تضمن التوجيه تهيئة كل الإجراءات اللازمة والسبل لاستضافة المواطنين الخليجيين وإكرامهم، وراحتهم بين أهلهم وأشقائهم في بلدهم الثاني، حتى تتهيأ الظروف المناسبة لعودتهم إلى بلادهم سالمين معززين مكرمين، كما وجَّه خادم الحرمين الشريفين جميع الجهات المختصة باتخاذ الإجراءات اللازمة لتنفيذ ذلك في الحال.
ولا شك أن هذا التوجيه الكريم يعكس عمق وشائج القربى، وحرص قيادة المملكة - أيدها الله- على أمن وسلامة الأشقاء الخليجيين الذين يحظون بمعاملة أخوية في المملكة، ويعبّر عن قيم الكرم والنخوة، وعلى نهج المملكة الثابت في الوقوف إلى جانب الأشقاء بمختلف الظروف والمحن، انطلاقاً من مسؤوليتها الإنسانية، وثوابتها الراسخة في التضامن والتكامل الخليجي، وتجسيداً لوحدة المصير المُشترك.
ويعيدنا هذا التوجيه الكريم إلى التاريخ القريب ، وتحديداً إبان الغزو العراقي للكويت .. أو ما يُعرف بـ "حرب الخليج الثانية" (2 أغسطس 1990م- 26 فبراير 1991م).. حين استضافت المملكة مئات الآلاف من الأشقاء الكويتيين النازحين من ويلات الغزو، إذ كانت هذه الاستضافة واحدة من أنصع الصفحات في تاريخ العلاقات الأخوية والوحدة الخليجية، حيث لم تكن مجرد عملية إيواء سياسي، بل كانت ملحمة إنسانية جسدت مفهوم "البيت الواحد".
لن نتحدث بالطبع عن الموقف السياسي الحاسم للمملكة في دعم الأشقاء الكويتيين حتم تم النصر وعودتهم لبلادهم معززين مكرمّين، فذلك يحتاج لصفحات وصفحات لا يسع المجال لذكرها، ولكننا نركز ها هنا على تلك "الإستضافة الكريمة" من المملكة للأشقاء إبان فترة الغزو، ومن ذلك استضافة الحكومة الكويتية المؤقتة بالطائف.
وقد بدأت "الفزعة الأخوية" من المملكة - قيادةً وشعباً- منذ اليوم الأول للغزو، حيث صدرت توجيهات ملكية صارمة بتسهيل دخول الأشقاء الكويتيين دون قيود رسمية معقدة، كما فُتحت الفنادق، والشقق المفروشة، والمجمعات السكنية (مثل إسكان الحرس الوطني، ووزارة الإسكان) بالمجان.
فيما تم دمج الطلاب الكويتيين في المدارس والجامعات السعودية فوراً لمعالجة الفاقد التعليمي، وعُوملوا معاملة السعوديين في كافة الامتيازات. بينما فُتحت أبواب المستشفيات والمراكز الصحية لتقديم الرعاية الطبية المجانية والشاملة.
كذلك، وفرت المملكة تسهيلات بنكية وصرفاً للعملة الكويتية (التي كانت معطلة دولياً حينها) لمساعدة الأسر على تدبير شؤونها المعيشية.
ومن ناحية أخرى، تسابق المواطنون السعوديون بفتح بيوتهم ومزارعهم لإخوانهم الكويتيين، ورفض الكثيرون منهم تقاضي أي إيجارات، بل وتقاسموا معهم الأرزاق في مشهد تلاحم قلّ نظيره.
وتزخر ذاكرة تلك الفترة بقصص إنسانية تجسد أسمى معاني الإيثار، حيث لم تكن الحدود حينها سوى خطوط على الورق، بينما القلوب كانت مفتوحة قبل الأبواب. ومن أبرز تلك القصص الإنسانية، أنه مع تدفق قوافل الأشقاء عبر منفذ الخفجي، حدثت ظاهرة عفوية؛ حيث كان المواطنون السعوديون يقفون على جنبات الطرق السريعة ليس لتوزيع الطعام والماء فحسب، بل كانوا يعرضون مفاتيح منازلهم واستراحاتهم.
كما يُروى أن عائلات سعودية انتقلت للسكن في "ملحقات" منازلها أو استأجرت شققاً صغيرة، لتترك منازلها الرئيسية بالكامل للأسر الكويتية القادمة، مع إصرارهم على عدم تقاضي ريال واحد، قائلين: "هذا بيتكم، ونحن الضيوف".
فيما يتذكر الكثير من الطلاب الكويتيين (الذين أصبحوا الآن مسؤولين وآباء) يومهم الأول في المدارس السعودية، حيث تذكر إحدى القصص أن المعلمين السعوديين كانوا يطلبون من الطلاب السعوديين إحضار "وجبتين" للإفطار بدلاً من واحدة، ليتم تقاسمها مع زملائهم الكويتيين في ساحة المدرسة، لرفع الحرج عنهم ولدمجهم نفسياً واجتماعياً وكأنهم لم يغادروا وطنهم.
أما في المدن الكبرى مثل الرياض وجدة، فقد تحولت ردهات الفنادق الكبرى إلى خلايا نحل. ولم يقتصر الأمر على استضافة الدولة للأسر، بل كان الشباب السعودي يتطوعون بسياراتهم الخاصة لنقل العائلات، والنساء السعوديات ينظمن حملات لتوفير الملابس والمستلزمات الخاصة للأطفال والنساء القادمات من ظروف قاسية، في مشهد ينم عن تكافل اجتماعي عميق.
وعندما تحررت الكويت، خرجت قوافل العائدين من المملكة العربية السعودية، وكان المشهد مؤثراً؛ حيث اختلطت دموع الفرح بالتحرير بدموع الحزن على فراق الإخوة الذين عاشوا معاً لشهور طويلة في بيت واحد، وتحولت تلك الاستضافة إلى علاقات مصاهرة وصداقات وثيقة ممتدة إلى يومنا هذا.
حفظ الله المملكة وقيادتها الرشيدة - أيدها الله-، وجعلها دائماً زخراً للأشقاء وللإنسانية جمعاء.
ــــــــــــ
*كاتب صحفي




