في شهرٍ تتجلّى فيه القيم، وتصفو فيه النفوس، نفتح صفحات من نور لنستحضر سِيَر شخصياتٍ مكيةٍ صنعت أثرها بهدوء، وعملت بإخلاص، وخدمت مكة المكرمة وأهلها وقاصديها من حجاجٍ ومعتمرين، دون أن تبحث عن مالٍ يُجنى أو منصبٍ يُنال، بل جعلت من خدمة أقدس البقاع هدفًا ساميًا، اقتداءً بمؤسس هذه الدولة المباركة وأبنائه الملوك البررة – رحمهم الله جميعًا – الذين جعلوا خدمة أم القرى وضيوف الرحمن شرفًا ومسؤولية.
وأنا أقلب صفحات كتب تاريخ مكة المكرمة ، أوقفتني أسماء لشخصيات برزت وعملت بجد واجتهاد لخدمة مكة المكرمة وأهلها وقاصديها من حجاج ومعتمرين ، شخصيات لم تسع للبحث عن مال تجنيه أو منصب تصل إليه ، لكن هدفها انصب على خدمة أقدس البقاع مقتدين بمؤسس المملكة وأبناؤه الملوك البررة يرحمهم الله جميعا ، الذين جعلوا خدمة أم القرى وقاصديها هدف سام يسعون لتحقيقه دون النظر لمكسب مالي أو معنوي .
وطوال أيام شهر رمضان المبارك ، أدون بهذه الزاوية سيرا لشخصيات تركت بضمات واضحة في ذاكرة التاريخ تروي للأجيال قصصا تحكي إنجازات تحققت بالإصرار والعزيمة .
وفي زاوية شخصيات مكية لهذا اليوم ، أتحدث عن الأستاذ / محمد سليمان الشبل ـ يرحمه الله ـ ، المولود في مدينة عنيزة عام 1348 هــ ، وتلقى تعليمه الأولي بها ، ثم انتقل إلى مكة المكرمة والتحق بالمعهد السعودي وتخرج منه عام 1369هـ ، وواصل دراسته في كليّة الشريعة بمكة المكرمة وتخرج منها عام 1373هـ .
بدأ حياته العملية عام 1374 هــ مدرساً في المدرسة الرحمانية الثانوية بمكة المكرمة عام 1374 هـ، وبعدها بعامين عين مديراً للمدرسة نفسها حتى عام 1380 هـ ، لينتقل بعد ذلك للعمل كمدير لمدرسة الملك عبدالعزيز الثانوية المعروفة بالعزيزية الثانوية واستمر بها على مدى ثلاثين عاماً حتى أحيل للتقاعد عام 1409 هـ ، وبعد إحالته للتقاعد عاد إلى مسقط راسة مدينة عنيزة واستقر بها .
وعلاقتي بالأستاذ / محمد الشبل ـ يرحمه الله ـ كانت من جانبين ، الأول حينما كنت طالبا بالمرحلة الثانوية إذ درست الصف الأول الثانوي بالعزيزية الثانوية ثم انتقلت لمدرسة الحديبية .
أما علاقتي الثانية به فكانت من خلال جريـدة النـدوة ، إذ كان ـ يرحمه الله ـ عضوا بالجمعية العمومية لمؤسسة مكة للطباعة والإعلام التي تصدر من خلالها جريـدة النـدوة .
وحينما أتحدث عن الأستاذ / محمد سليمان الشبل ـ يرحمه الله ـ فإني أتحدث عن شخصية جمعت بين التربية والتعليم والشعر ، فقد ظهرت موهبته الشاعرية وهو في الخامسة عشر من عمره ، وهذا ما برز في محاولته الشعرية الأولى التي كانت عام 1362 هــ من خلال قصيدته ( (القمر والنخلة) ، ونشرت بجريدة النـدوة .
وتحدث عن أسلوبه الشعري العديد من النقاد ومنهم الأساتذة / عبدالله عبدالجبار, وعبدالله بن إدريس وعمر الطيب السياسي ويسري عبدالغني وحسن الهويمل ويوسف حسن نوفل .
فيما قال عنه الأستاذة / عبد الله ابن إدريس " أُغرِم منذ صغره بمطالعة الكتب الأدبية شعرًا ونثرًا، والقديم منها بصفة خاصة، ثم أخذ يتجه نحو الجديد المعاصر وعلى وجه التحديد صوت الأدب المهجري ومدرسة جبران منه بالذات " .
كرّمه منتدى ثلوثية بامحسون الثقافي في 23 مايو 2017 كشخصية المنتدى لعام 2016 -2017، وذلك في محفل كبير في العاصمة الرياض .
وذكره الأستاذ / عبده الأسمر ، في مقال له تحت عنوان ( محمد سليمان الشبل.. معلم الكبار وشاعر الاعتبار ) ، نشر بجريدة الجزيرة يوم الأثنين 26 يونيو 2023 م ، قائلا : " اعتلى «صهوة» الشعر بفروسية «الماهر» فنال «حظوة» المشاعر في نداء «السحر» وما بين «أزهار» المواقف و" أشواك " المواقف كتب «الدواوين» وأبهر «الميادين» وحصد «المضامين» في «شاعرية» موجه ووجاهة «شاعر».
عاش مجللاً بهيبة «المقام» ومكللاً بطيبة «الإلهام» كاتباً جملته الاسمية من «مبتدأ» التأسيس و»خبر» التدريس وكان «الفاعل» المرفوع بالهمة والمشفوع بالمهمة والمصدر «الصريح» في أفعال «الانتماء» واشتعال «النماء».
توفي ـ يرحمه الله ـ وتمت الصلاة عليه يوم الجمعة 19 صفر 1441 هــ ، في جامع البسام، ودفن بمقبرة الرحمة بعنيزة بمنطقة القصيم ، رحمه الله واسكنه فسيح جناته وغفر له .
ــــــــــــــــ
للتواصل :
ahmad.s.a@hotmail.com
ashalabi1380@




