في شهرٍ تتجلّى فيه القيم، وتصفو فيه النفوس، نفتح صفحات من نور لنستحضر سِيَر شخصياتٍ مكيةٍ صنعت أثرها بهدوء، وعملت بإخلاص، وخدمت مكة المكرمة وأهلها وقاصديها من حجاجٍ ومعتمرين، دون أن تبحث عن مالٍ يُجنى أو منصبٍ يُنال، بل جعلت من خدمة أقدس البقاع هدفًا ساميًا، اقتداءً بمؤسس هذه الدولة المباركة وأبنائه الملوك البررة – رحمهم الله جميعًا – الذين جعلوا خدمة أم القرى وضيوف الرحمن شرفًا ومسؤولية.
وأنا أقلب صفحات كتب تاريخ مكة المكرمة ، أوقفتني أسماء لشخصيات برزت وعملت بجد واجتهاد لخدمة مكة المكرمة وأهلها وقاصديها من حجاج ومعتمرين ، شخصيات لم تسع للبحث عن مال تجنيه أو منصب تصل إليه ، لكن هدفها انصب على خدمة أقدس البقاع مقتدين بمؤسس المملكة وأبناؤه الملوك البررة يرحمهم الله جميعا ، الذين جعلوا خدمة أم القرى وقاصديها هدف سام يسعون لتحقيقه دون النظر لمكسب مالي أو معنوي .
وطوال أيام شهر رمضان المبارك ، أدون بهذه الزاوية سيرا لشخصيات تركت بضمات واضحة في ذاكرة التاريخ تروي للأجيال قصصا تحكي إنجازات تحققت بالإصرار والعزيمة .
وفي زاوية شخصيات مكية لهذا اليوم ، أتحدث عن شخصية اللواء متقاعد علي أحمد الذيب ـ يرحمه الله ـ ، الذي جمع بين الشخصية العسكرية وانضباطها ، والإنسانية في تعاملها ، وهذا ما شاهدته له ـ رحمه الله ـ في أكثر من موقف .
وحينما نقف لقراءة سيرته فإننا نجد أننا أمام شخصية عصامية بدأت من الصفر ، فهو من مواليد عام 1356 هــ ، وكانت بدايته مع العسكرية بالتحاقه بالجيش السعودي بمدينة أبها عام 1371 هــ ، ثم انتقل إلى مدينة الطائف والتحق بمدرسة الإشارة ، ومكنته قدرته على القراءة والكتابة من الالتحاق بدورة إعداد معلمين ، والتي أهلته ليكون مدرسا للاتصالات السلكية بها ، ورقي من جندي إلى عريف ثم نائب ـ ما يعرف حاليا بوكيل رقيب ـ ، ليبتعث بعدها إلى العراق ويلتحق بدورة إعداد معلمي الاتصالات بالجيش العراقي .
وبرزت عصاميته ـ يرحمه الله ـ في قدرته على الجمع بين العمل العسكري وطلب العلم فأثناء عمله بالجيش حصل على شهادة الابتدائية ، ثم الكفاءة المتوسطة ، والتي فتحت له المجال للالتحاق بمدرسة الشرطة بعد استقالته من الجيش ، وتخرج فيها برتبة ملازم ، ليبدأ بعدها حياته العملية في الشرطة متنقلا من منطقة لأخرى ومن مدينة لثانية ، وواصل دراسته حتى حصل على شهادة الثانوية العامة القسم الأدبي ، ليلتحق بعدها بجامعة الملك سعود بالرياض منتسبا غير ان ظروفه العملية لم تساعده على إكمال دراسته ، فنقل من المنطقة الشرقية إلى محافظة جدة وعين رئيسا لشرطة الشرفية ، ثم صدر أمر وزير الداخلية بنقله لكلية الملك فهد الأمنية لتدريس مادة الاتصالات والتحقيق الجنائي ، ليبتعث بعدها إلى إيطاليا لدراسة الاتصالات ، ثم بريطانيا لدراسة اعداد البرامج التدريبية ، وبعد عودته عين مساعدا لمدير معهد الافراد ثم مدير للمعهد ، ثم مدير للإدارة العامة للتدريب ، ثم تولى ادارة الضبط الإداري بالأمن العام ، ثم عين قائدا لقوة الحج والمواسم ، وهنا بدأت علاقتي به ، واستمرت حتى تعيينه مديرا لشرطة العاصمة المقدسة ، واحالته للتقاعد عام 1415 هــ .
وتوفي ـ رحمه الله ـ في 25 ذي الحجة 1437 هــ بعد أن ترك محبة وتقدير الكثيرين سواء كانوا من الأفراد أو الضباط الذين عملوا تحت قيادته ، والذين شاهدتهم أكثر من مرة أثناء توجهه أو تواجده بالمسجد الحرام كيف يتعاملون معه ، أو المواطنين من أهالي مكة المكرمة الذين كان لهم أخا للكبير ، وابا للصغير .
ــــــــــــــــ
للتواصل :
ahmad.s.a@hotmail.com
ashalabi1380@




