إتساقًا مع عالم معقد باتت لغته الأساسية هي التكنولوجيا، حققت المملكة العربية السعودية في السنوات الأخيرة طفرة واضحة في مجال التحول الرقمي من زوايا: البنية التحتية الرقمية وميكنة الخدمات الحكومية، والأمن السيبراني، والذكاء الاصطناعي، وذلك تحقيقاً لأهداف ومخرجات "رؤية المملكة 2030" الفذة.
ومن أبرز قفزات المملكة في مجال التحول الرقمي، تحويل نسبة عالية جداً من الخدمات الحكومية إلى خدمات رقمية وصلت إلى (97%) من الخدمات الحكومية بحلول نهاية 2022م، علماً بأن استراتيجية الحكومة الرقمية تستهدف رفع نضج الخدمات الرقمية إلى (95%) بحلول 2030م.
ومن أبرز الإنجازات في ذات السياق: منصة أبشر، والتي تُعد نموذجاً عالمياً للحكومة الرقمية، حيث تقدم مجموعة واسعة من الخدمات الأساسية للمواطنين والمقيمين وتتجاوز خدماتها 280 خدمة لأكثر من 18 مليون مستخدم.
فيما أطلقت وزارة العدل منصة "ناجز" لتحسين تجربة المستخدمين وتوفير الخدمات العدلية والقضائية رقميًا، مما أسهم في إلغاء ملايين الزيارات للمرافق العدلية. كما تم تطوير منصات رقمية متخصصة مثل" "قوى" لخدمات منظومة العمل، و"مسار" لإدارة الموارد البشرية الحكومية، مما يعزز أتمتة التعاملات.
وقد أثمرت تلك الإنجازات حصول المملكة على العديد من المراكز المتقدمة عالمياً في مؤشرات التنافسية والحوكمة الرقمية، ومنها: المرتبة الأولى عالمياً في مؤشر الخدمات الرقمية لعام 2024م، والمركز الرابع عالمياً في مؤشر التنافسية العالمية في العام نفسه.
ومن ناحية أخرى، بذلت المملكة جهوداً كبيرة في تطوير البنية التحتية للاتصالات وتوفير الإنترنت فائق السرعة، مما يعتبر شرطاً أساسياً لنجاح التحول الرقمي، حيث نفذت المملكة استراتيجية طموحة لتطوير المملكة كـ مركز رقمي إقليمي، بهدف بناء قدرات هائلة في مراكز البيانات بحلول عام 2030م، مع استثمارات ضخمة في هذا القطاع.
كذلك، تم التوسع في نشر الرقمنة في القطاعات الحيوية، ومنها: القطاع الطبي.. إذ تم إطلاق مبادرات مثل تطبيق "وصفتي" لتوفير الوصفات الطبية عن بُعد، واستخدام التقنيات الرقمية لتحسين رعاية المرضى وكفاءة الخدمات الصحية.
وفي القطاع التعليمي، تم العمل على تحويل المقررات التعليمية إلى مقررات رقمية، وتوفير المكتبات الرقمية وقواعد البيانات لدعم التعلم عن بُعد وتطوير المهارات الرقمية.
وفي مجال الأمن السييبراني، تم تأسيس الهيئة الوطنية للأمن السيبراني في عام 2017م كجهة مختصة بحماية الفضاء السيبراني للمملكة والمصالح الحيوية للدولة. وتتولى الهيئة مسؤولية وضع الاستراتيجية الوطنية للأمن السيبراني والإشراف على تنفيذها، ورفع مستوى الأمن السيبراني في القطاعات الحكومية والخاصة الحيوية.
وقد حققت المملكة مراكز متقدمة عالميًا في مؤشرات الأمن السيبراني المختلفة، ومن أبرزها: المركز الثاني عالمياً في مؤشر الأمن السيبراني الصادر عن الاتحاد الدولي للاتصالات لعام 2022م، إضافةً إلى المركز الأول إقليمياً وعربياً في العديد من التصنيفات ذات الصلة، فضلاً عن استضافة وتنظيم المنتدى الدولي للأمن السيبراني، والذي يُعد منصة عالمية تجمع القادة والمختصين لمناقشة التحديات والفرص في الفضاء السيبراني.
كما حرصت المملكة على تنمية الكوادر الوطنية (رأس المال البشري)، وذلك من خلال:برامج التعليم والتدريب.. حيث أطلقت الهيئة الوطنية برامج متخصصة لتأهيل وتدريب الكفاءات السعودية في مجال الأمن السيبراني، مثل برنامج "سايبرك" وبرامج أخرى بالشراكة مع الجامعات والجهات العالمية. بالإضافة إلى العمل على توطين الوظائف في قطاع الأمن السيبراني، مما يقلل الاعتماد على الخبرات الأجنبية ويدعم الاقتصاد الوطني.
كذلك، تم حماية القطاعات الحيوية بالدولة من خلال: تطوير الإطار التنظيمي عبر وضع ضوابط إلزامية للأمن السيبراني للجهات الوطنية الحيوية، خاصة في قطاعات الطاقة، والاتصالات، والمالية، والبنية التحتية، إضافةً إلى العمل على رفع مستوى الجاهزية والاستجابة للحوادث السيبرانية، وتشكيل فرق استجابة وطنية متخصصة للتعامل مع التهديدات السيبرانية المعقدة.
ولا ننسى في ذات السياق تأسيس مراكز للتميز والابتكار في الأمن السيبراني لتعزيز البحث والتطوير في التقنيات المتقدمة، مثل الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني السحابي.
أما في مجال الذكاء الاصطناعي، فقد تم تأسيس الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا) في عام 2019م، والتي تُعد الجهة المرجعية والقيادية لتنظيم وتطوير واعتماد سياسات البيانات والذكاء الاصطناعي في المملكة، إذ تهدف (سدايا) إلى أن تكون المملكة في مصاف الدول الرائدة عالمياً في هذا المجال، والمساهمة في تحقيق (50%) من أهداف "رؤية 2023".
وقد أطلقت المملكة الاستراتيجية الوطنية للبيانات والذكاء الاصطناعي، والتي تستهدف جذب استثمارات ضخمة بمليارات الريالات وتأهيل ما لا يقل عن 20,000 متخصص في هذا المجال بحلول عام 2030م، فضلاً عن وضع المملكة في المراكز الـ 15 الأولى عالمياً في مؤشر الذكاء الاصطناعي.
وفي هذا السياق، احتلت المملكة المرتبة الأولى عربياً في تقرير مؤشر نضج الحوكمة الإلكترونية الصادر عن الأمم المتحدة، وهو ما يؤكد على الاستخدام الفعال للبيانات والذكاء الاصطناعي في تحسين الخدمات الحكومية.
كما استضافت المملكة القمم العالمية والمبادرات الدولية، ومن أبرزها: القمة العالمية للذكاء الاصطناعي، وهو الحدث الذي تستضيفه المملكة بشكل دوري لجمع قادة الفكر والشركات التقنية العالمية لمناقشة التحديات والفرص- قيادة مناقشات هامة حول دور الذكاء الاصطناعي في الاقتصاد العالمي أثناء رئاسة المملكة لمجموعة العشرين (جي 20).
إلى ذلك، تم إطلاق برامج أكاديمية وتدريبية متقدمة بالتعاون مع الجامعات المحلية والدولية لتخريج كوادر وطنية متخصصة في علم البيانات وهندسة الذكاء الاصطناعي، وأيضاً إطلاق مبادرات لتدريب الكفاءات الحكومية على استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي لتحسين كفاءة العمل الحكومي.
وعلى صعيد التطبيقات العملية، تم تصميم مدينة نيوم لتكون رائدة عالمياً في تطبيق تقنيات الذكاء الاصطناعي والمدن الذكية في جميع جوانب الحياة (مثل النقل، والرعاية الصحية، والأمن)، إضافةً إلى استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة لإدارة الحشود وتقديم خدمات لوجستية محسّنة لضيوف الرحمن (قطاع الحج والعمرة)، فضلاً توظيف الذكاء الاصطناعي في التشخيص المبكر للأمراض وتطوير الرعاية الصحية في المستشفيات والمراكز المتخصصة.
وباختصار، فقد حوّلت المملكة ملف الذكاء الاصطناعي من مجرد تقنية إلى مشروع وطني استراتيجي يهدف إلى إعادة تشكيل اقتصادها ومستقبلها الحضاري.
ــــــــــــــــ
*رائد أعمال ومستثمر.




