في شهرٍ تتجلّى فيه القيم، وتصفو فيه النفوس، نفتح صفحات من نور لنستحضر سِيَر شخصياتٍ مكيةٍ صنعت أثرها بهدوء، وعملت بإخلاص، وخدمت مكة المكرمة وأهلها وقاصديها من حجاجٍ ومعتمرين، دون أن تبحث عن مالٍ يُجنى أو منصبٍ يُنال، بل جعلت من خدمة أقدس البقاع هدفًا ساميًا، اقتداءً بمؤسس هذه الدولة المباركة وأبنائه الملوك البررة – رحمهم الله جميعًا – الذين جعلوا خدمة أم القرى وضيوف الرحمن شرفًا ومسؤولية.
وأنا أقلب صفحات كتب تاريخ مكة المكرمة ، أوقفتني أسماء لشخصيات برزت وعملت بجد واجتهاد لخدمة مكة المكرمة وأهلها وقاصديها من حجاج ومعتمرين ، شخصيات لم تسع للبحث عن مال تجنيه أو منصب تصل إليه ، لكن هدفها انصب على خدمة أقدس البقاع مقتدين بمؤسس المملكة وأبناؤه الملوك البررة يرحمهم الله جميعا ، الذين جعلوا خدمة أم القرى وقاصديها هدف سام يسعون لتحقيقه دون النظر لمكسب مالي أو معنوي .
وطوال أيام شهر رمضان المبارك ، أدون بهذه الزاوية سيرا لشخصيات تركت بضمات واضحة في ذاكرة التاريخ تروي للأجيال قصصا تحكي إنجازات تحققت بالإصرار والعزيمة .
وفي زاوية شخصيات مكية لهذا اليوم ، أتحدث عن الأستاذ الدكتور محمد بن مريسي الحارثي ـ يرحمه الله ـ المولود في قرية الصور بني الحارث التي تبعد عن الطائف نحو ستة وثلاثون كيلو متر ، والتي درس بها الابتدائية ، فيما درس المتوسطة والثانوية بدار التوحيد بالطائف ، وحصل على الماجستير ثم الدكتوراه في تخصص النقد ، وبدأ حياته العملية معلمًا بوزارة المعارف، ثم محاضرًا وأستاذًا مساعدًا في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، ثم أستاذًا مساعدًا بجامعة أم القرى ، ثم رئيسًا لقسم الأدب خلال الفترة من 1403 ـ 1407هـ ، ثم عميدًا لكلية اللغة العربية بجامعة أم القرى .
ويعتبر الأستاذ الدكتور محمد مريسي الحارثي ـ رحمه الله ـ ، وأحدا من روّاد الحركة الأدبية في المملكة ، وصاحب الإسهامات المتميزة في البحث والتأليف والدراسات في مجال الأدب والثقافة والفكر، شغل العديد من العضويات وتولى رئاسة عدد من المنتديات والأندية الثقافية والأدبية، وحكّم بحوثًا ودراسات للترقية العلمية إلى أستاذ مشارك وأستاذ، وحكّم بحوثًاً علمية متخصصة للنشر في المجلات العلمية المحلية والعربية المحكمة، وفي مطبوعات الأندية الأدبية، وكذلك حًكم مسابقات ثقافية وأدبية شعرية ونثرية، وأشرف على عدد من رسائل الماجستير والدكتوراه وناقش العديد منها.
له العديد من المؤلفات القيّمة منها: كتاب "تحبير الأقلام في تحرير الكلام"، و" في ديوان البلاغة العربية"، وكتاب "جدلية الواقع والمتخيل" وهو قراءة في شعر الأديب الشاعر الدكتور عبدالله محمد صالح باشراحيل، وكتاب "في أصول الحداثة العربية"، و" في ديوان النقد الأدبي"، و"المنهج البياني في تأويل النص"، و"عبدالعزيز الرفاعي أديباً"، و"الاتجاه الأخلاقي في النقد العربي" وغيرها.
وخلال مشواره الأدبي الحافل كُرّم -يرحمه الله- في كثير من المناسبات والمهرجانات الثقافية، تقديًرًا لعطاءاته المتميزة، وإسهاماته البارزة في الأدب السعودي.
انتقل إلى رحمة الله مساء يوم الثلاثاء التاسع عشر من شعبان عام 1446 هــ ، ووري جثمانه مقبرة شهداء الحرم عقب الصلاة عليه عصرا في الحرم المكي الشريف .
رحمه الله واسكنه فسيح جناته وغفر له
ـــــــــــــ
للتواصل :
ahmad.s.a@hotmail.com
ashalabi1380@




