حينما رحلت أمّي عن الدنيا في الرابع والعشرون من رجب عام 1447هـ بين كفّيّ ، عشت لحظةٍ فاصلةٍ انشطر فيها الفؤاد كانشطار الزمن ، فقد كانت قريبةً مني ليس بجسدها وحدها ، بل بفؤادها وحواسها ، يومها أحسست أن الزمن الذي لا أملك فيه سوى ذكراها، وأثرها العميق المقيم في القلب يصعب أن أنساه .
فرحيلها كان هادئًا مغمورًا بالرضا، وتحفّه طمأنينةً عن إشارةٍ أخيرة أحتفظ بها، لكنها مضت بثباتٍ وهدوء، بلا خوفٍ ولا اضطراب ، كان في وجهها الرضا الذي ألفته، والطمأنينة التي طالما رأيتها في دعائها وصلاتها.
وقفتُ أودّعها في أصعب لحظات الوداع ، وغسّلتها بيداي ، وأجريتُ الماء على جبينها كما كانت تفعل معي في صغري ، غسلتني بالمهد وغسلتها باللحد ، في تلك اللحظات كان الصمت أصدق من كل قول، وكانت الدموع أبلغ من كل تعبير.
برحيلها شعرتُ أن قدرًا كبيرًا من الرحمة قد غاب عن حياتي ، لقد كانت دعوتها الصادقةً تُحيط بي، وكلماتها التي لطالما كانت ترددها تقودني إلى الله كلما ضَعُفتْ: «رضا الله أهمّ من كل شيء»، حتى أصبحت منهاجًا أسير عليه. كما علّمتني أن أتشبّث بالإيمان عند الفقد، وأن أجد في الصبر قوّةً تعينني على الاستمرار.
لقد عشت أيام رمضان هذا العام مختلف عن كل رمضان عشته معها ؛ غاب صوتها كما غاب دعاؤها ، وحضر أثرها في كل تفاصيل حياتي .
ورغم رحيلها فإن قلبي مطمئن لأن روحها في رحمة الله ، وما غرسته داخلي من إيمان سيبقى نورًا يهدي خطاي.
أمّي… رحلت جسدًا، وبقيت أثرًا ووصيّةً ودعاء.
سأحمل كلماتك في قلبي، وأسعى أن أكون كما تمنّت لي: ثابتة على الإيمان، حريصة على رضا الرحمن، إلى أن القاك في علو الجنان.
اللهم اجعل ما ختمت به حياتها شفيعًا لها، وارزقني الصبر على فراقها، واجمعني بها في جنّات الخُلد، حيث لا فراق ولا ألم
ــــــــــــ
للتواصل :
ghzyla5@gmail.com
ghzyla5@




