في كل عام، ومع إشراقة يوم الام العالمي، تتجدد في الوجدان الانساني لحظة تأمل عميق في تلك العلاقة الفريدة التي تربط الانسان بامه؛ علاقة لا يمكن تفسيرها بلغة البيولوجيا وحدها، ولا يمكن اختزالها في حدود القرابة، لانها في حقيقتها علاقة تكوين وخلق معنوي. فالام ليست مجرد بداية للحياة، بل هي بداية للوعي، وبداية للقيم، وبداية للنظرة الاولى الى العالم.
ان الانسان يولد ضعيفا لا يعرف شيئا، لكن الام هي التي تفتح له بوابة المعرفة الاولى. هي التي تعلمه كيف ينطق بالكلمات، وكيف يميز بين الخير والشر، وكيف يقف على قدميه في عالم مليء بالتحديات. ولهذا لم يكن غريبا ان تكون الامهات خلف اعظم الشخصيات في التاريخ، لان التربية الاولى هي التي تصنع البذور الاولى للعظمة.
فالامام محمد بن ادريس الشافعي، احد اعلام الفقه الاسلامي، نشأ يتيما في كنف امه التي ادركت منذ وقت مبكر ان طفلها يحمل موهبة استثنائية. فحملته من غزة الى مكة ليطلب العلم، وسهرت على تعليمه وحفظه للقران، حتى صار فيما بعد واحدا من اعظم ائمة الفقه في التاريخ الاسلامي. لقد كانت امه ترى بعين البصيرة ما لم يره الاخرون.
وكذلك الامام مالك بن انس، امام دار الهجرة، الذي نشأ في بيت علم وفضل، لكن الدور الحاسم في تكوينه كان لامه التي كانت تلبسه ثياب العلماء وتقول له: اذهب الى ربيعة فتعلم من ادبه قبل علمه. لقد ادركت تلك المرأة ان العلم الحقيقي يبدأ بالاخلاق قبل المعرفة.
اما الامام احمد بن حنبل، فقد كان مثالا للصبر والثبات، وهي صفات لم تأت من فراغ. فقد كانت امه توقظه في صغره قبل الفجر ليذهب الى مجالس العلم في بغداد، وكانت ترافقه احيانا في الظلام خوفا عليه. في تلك اللحظات المبكرة كانت تصنع شخصية عالم سيصبح لاحقا احد اعمدة الفقه الاسلامي.
واذا انتقلنا الى الحضارة الغربية نجد الصورة ذاتها. فالعالم توماس اديسون، الذي ارتبط اسمه باختراع المصباح الكهربائي والعديد من الابتكارات التي غيرت وجه الحياة الحديثة، كان مدينا لامه بقدر كبير من ثقته بنفسه. حين اخبرته المدرسة انه طفل بطيء الفهم، لم تصدق امه ذلك، بل امنت بذكائه وقررت ان تعلمه بنفسها. ومن ذلك الايمان العميق خرج احد اعظم المخترعين في التاريخ.
هذه النماذج وغيرها تؤكد حقيقة انسانية عميقة:
وراء كل عظيم امرأة.
لكن الحديث عن دور المرأة في صناعة الانسان لا يكتمل اذا توقفنا عند دور الام وحدها، لان هناك وجها اخر مكملا لهذه الرسالة، وهو دور الزوجة. فالزوجة ليست مجرد شريكة حياة، بل هي ايضا ام المستقبل، وصانعة الاستقرار النفسي والاجتماعي للاسرة.
لقد كانت الزوجات عبر التاريخ سندا عظيما لازواجهن في مواجهة اعباء الحياة. فكم من عالم او قائد او مفكر استطاع ان يواصل مسيرته بفضل زوجة صابرة تحملت معه قسوة الظروف وضغط المسؤوليات وتقلبات الحياة.
وفي واقعنا المعاصر تتجلى عظمة المرأة اكثر وضوحا في ظل الازمات والحروب والضغوط الاقتصادية. ففي كثير من البيوت تتحمل الزوجة اليوم اعباء مضاعفة؛ فهي الام التي تربي، والزوجة التي تسند، والانسانة التي تحاول ان تحافظ على تماسك الاسرة رغم العواصف.
في ازمنة الحروب، حين يضطرب الامن وتضيق سبل العيش، نجد المرأة غالبا هي العمود الذي يمنع الاسرة من الانهيار. تتحمل القلق والخوف والحرمان بصمت، وتحاول ان تخفي دموعها حتى لا يرى الابناء ضعفها. انها تمارس بطولة يومية لا تكتب في كتب التاريخ، لكنها تكتب في ذاكرة الاجيال.
فالزوجة التي تسهر لتخفف عن زوجها اعباء العمل، وتتحمل قسوة الظروف الاقتصادية، وتصبر على غياب الطمأنينة في زمن الازمات، هي في الحقيقة تبني المستقبل بصبرها. انها تنشئ جيلا قادرا على الصمود، لانها تعلم ابناءها معنى التضحية قبل ان يتعلموا معنى النجاح.
وهكذا تصبح الزوجة اما للحاضر واما للمستقبل في آن واحد. فهي التي تمنح البيت روحه، وتمنح الابناء احساسهم بالامان، وتمنح الرجل القدرة على الاستمرار في مواجهة الحياة.
وحين اتأمل هذه المعاني كلها، اجدني اعود بذاكرتي الى امي…
الى تلك المرأة التي لم تدرس في الجامعات الكبرى، لكنها كانت تمتلك حكمة فطرية عميقة تتجاوز كثيرا مما نقرأه في الكتب.
كانت ترى الامور ببصيرة هادئة، وتملك قدرة عجيبة على التخطيط للمستقبل. كثيرا ما كنت اندهش من تحليلاتها البسيطة التي كانت تصيب جوهر المشكلة دون تعقيد. كانت تدرك بطبيعتها ان فهم الانسان هو مفتاح حل كل القضايا.
ولهذا كنت اقول، نصف مازح ونصف جاد، لو انني رشحت يوما لاختيار وزير خارجية، لربما رشحت امي لهذا المنصب. ليس لانها درست العلوم السياسية، بل لانها كانت تمتلك ما هو اعمق من ذلك: حكمة الفطرة الانسانية.
كنت اعتقد، وما زلت، ان قدرتها على الاصلاح بين الناس، وفهمها العفوي لطبيعة العلاقات الانسانية، قد تمكنها من حل كثير من الازمات التي تعجز عنها الدبلوماسية المعقدة. ربما كانت قادرة ببساطتها وصدقها على ان تفتح ابوابا مغلقة في قضايا السودان والعالم.
لقد علمتني امي درسا لم اجده في الكتب:
ان الحكمة ليست دائما في كثرة المعرفة، بل في صفاء القلب وصدق النية.
في يوم الام العالمي لا نحتفي بالامهات لانهن انجبن ابناء فحسب، بل لانهن انجبن الانسان نفسه؛ انجبن القيم والوعي والامل.
كما نحتفي ايضا بالزوجات اللواتي يحملن اليوم رسالة الامومة في ظروف صعبة، ويواجهن الحياة بكل ما فيها من قسوة وصبر.
فالام والزوجة ليستا مجرد شخصيتين في الاسرة، بل هما قلب المجتمع النابض. واذا اردنا ان نفهم سر بقاء الحضارات فعلينا ان ننظر اولا الى الامهات اللواتي ربين الانسان الذي صنع تلك الحضارات.
ولهذا سيظل القول صادقا مهما تغيرت الازمنة:
وراء كل عظيم امرأة، ووراء كل حضارة ام صنعت الانسان قبل ان يصنع التاريخ.
بقلم أ.د.عبدالحليم موسى

الأم … صانعة التاريخ في صمت الحياة
وصلة دائمة لهذا المحتوى : https://shahdnow.sa/articles/336392/



