في شهرٍ تتجلّى فيه القيم، وتصفو فيه النفوس، نفتح صفحات من نور لنستحضر سِيَر شخصياتٍ مكيةٍ صنعت أثرها بهدوء، وعملت بإخلاص، وخدمت مكة المكرمة وأهلها وقاصديها من حجاجٍ ومعتمرين، دون أن تبحث عن مالٍ يُجنى أو منصبٍ يُنال، بل جعلت من خدمة أقدس البقاع هدفًا ساميًا، اقتداءً بمؤسس هذه الدولة المباركة وأبنائه الملوك البررة – رحمهم الله جميعًا – الذين جعلوا خدمة أم القرى وضيوف الرحمن شرفًا ومسؤولية.
وأنا أقلب صفحات كتب تاريخ مكة المكرمة ، أوقفتني أسماء لشخصيات برزت وعملت بجد واجتهاد لخدمة مكة المكرمة وأهلها وقاصديها من حجاج ومعتمرين ، شخصيات لم تسع للبحث عن مال تجنيه أو منصب تصل إليه ، لكن هدفها انصب على خدمة أقدس البقاع مقتدين بمؤسس المملكة وأبناؤه الملوك البررة يرحمهم الله جميعا ، الذين جعلوا خدمة أم القرى وقاصديها هدف سام يسعون لتحقيقه دون النظر لمكسب مالي أو معنوي .
وطوال أيام شهر رمضان المبارك ، أدون بهذه الزاوية سيرا لشخصيات تركت بصمات واضحة في ذاكرة التاريخ تروي للأجيال قصصا تحكي إنجازات تحققت بالإصرار والعزيمة .
وفي زاوية شخصيات مكية لهذا اليوم ، وجدت نفسي تائها فمن أتحدث عنه ليس بشخصية عادية ، هو شخص يحمل الإنسانية بقلبه ، والأمل بعينه ، ينظر إلى الفقير والمحتاج قبل أن ينظر للغني وصاحب المال ، لمساته الحانية على أكتاف الأيتام ومحو الأدمع عن أعينهم تركت بصماتها في حياتهم بعد وفاته ، عشق مكة المكرمة وثراها ، وعمل من أجلها الكثير .
إنه العمدة محمود سليمان بيطار ـ رحمه الله ـ الذي عرفته كعمدة لحي الهجلة القريب من حي المسفلة الذي تسكنه أسرتي منذ عشرات السنين .
ومن خلال عملي الصحفي في جريدة النـدوة ، وجدت الفرصة أمامي للتواصل والحديث معه في اكثر من مناسبة ، كان ابزرها حفل " الشعبنة " الذي يقيمه كل عام قبل قدوم شهر رمضان المبارك ، وفي هذا الحفل تبرز المأكولات والعادات المكية القديمة .
وكان ـ يرحمه الله ـ حريص على دعم وتشجيع أبناء الحي ، من خلال مسابقة تحفيظ القرآن الكريم الرمضانية .
اعتبر ـ يرحمه الله ـ العمل الخيري عملا بينه وبين ربه ، لا يبحث من خلاله على بروز هنا أو كلمة هناك ، هدفه أن يسعد من شاءت الأقدار أن تغيب سعادته ، فلا يرد يتيم ولا أرملة ، وينظر لأبناء حيه كأبنائه يحرص على نصحهم ودعمهم وتشجيعهم وتكريمهم سواء كان ذلك في المناسبات أو في تكريم خاص .
وفي موسم الحج كانت له مواقف وذكريات مع الكثير من حجاج بيت الله الحرام في مركازه الذي كان ملتقى لهم ، أثناء عودتهم من المسجد الحرام ، ولتكون زيارتهم ذكرى باقية بأذهانهم يحرص ـ يرحمه الله ـ على إقامة احتفالية خاصة خلال موسم الحج يكرم فيها الحجاج بتقديم هدايا تذكارية لهم .
وأذكر أنه قبل وفاته بيوم واحد زرته مع مجموعة من الحجاج الأتراك لتعريفهم بدوره ، فبادر ـ يرحمه الله ـ بمبادرته ووقفاته الإنسانية التي لا تنسى مع ضيوف الرحمن حينما تقدم بمبادرته لتكريم الفوج الأول من حجاج الجمهورية التركية في الحفل الذي أقيم لهم إذ قدم ـ رحمه الله ـ بيديه هدايا متعددة لضيوف الرحمن تمثل أصالة أبناء مكة المكرمة وحرصهم على خدمة ضيوف الرحمن .
وحينما كلف بعضوية نادي الوحدة عمل على دعم النادي ماديا ومعنويا ، واستطاع من خلال علاقاته إقامة مركز إعلامي مكتمل التجهيزات ، لحبه للنادي وحرصه على أن يتمكن الإعلاميون من نقل رسائلهم لوسائلهم مباشرة دون عناء .
ورحل العمدة البيطار ـ رحمه الله ـ يوم الجمعة 23 ذو العقدة 1432 هــ ، في مستشفى الرفيع بمكة المكرمة بعد إن نقل إليه لشعوره بالإعياء ولفظ أنفاسه الأخيرة وانتقل إلي جوار ربه الكريم عند وقت صلاة الجمعة ، في وقت كانت قوافل الحجيج تتوافد على مكة المكرمة ، ووري جثمانه مقابر المعلاة بعد الصلاة عليه بالمسجد الحرام .
رحمه الله وأسكنه فسيح جناته وغفر له
ــــــــــــ
للتواصل :
ahmad.s.a@hotmail.com
ashalabi1380@




