في زمن التجاذبات الكبرى، يقف العراق شامخاً كالنخل المتمرد على العواصف، ليس مجرد رقعة جغرافية، بل هو (المبتدأ) في جملة الوجود العربي، والخبر الذي تأتي به رياح الكرامة من أقصى المحيط إلى الخليج. إن هذا الوطن العربي الكبير، بجسده الممتد وتاريخه المشترك، يمثل وحدة عضوية لا تقبل القسمة على دخيل، ولا الخضوع لغاصب توسعي.
قداسة الدم.. الشريان الواحد من البصرة إلى تطوان
إن ما يربط العربي بأخيه ليس حدوداً رسمها (سايكس بيكو) بمسطرة الغدر، بل هو الدم العربي الواحد الذي سال مدراراً في ذروة القادسية وحطين، وتوحدت قطراته في خنادق الدفاع عن الوجود. هذا الدم له حرمةٌ قدسية؛ فكل قطرة تُسفك بيد غازٍ أو دخيل هي طعنة في قلب الأمة بأسرها. إننا أمةٌ تعمدت بدم التضحية، وصاغت من أشلاء أبطالها جسراً للعبور نحو الحرية، فكيف يهنأ للعين غماض وأخونا في العروبة يستجير من نار الظلم؟.
إرثُ الأنبياء ومنارةُ البناة
نحن ورثة حضارةٍ لم تعرف الانحناء؛ من بابل وآشور التي علّمت العالم أبجدية النور، إلى الشام ومصر والمغرب الكبير. هذا التاريخ المشترك هو الحصن المنيع الذي يحاول الأعداء هدمه عبر تفتيت الهوية. إن المقدام العربي لم يكن يوماً مجرد محارب، بل كان صاحب رسالة إنسانية، يحمل السيف بيد والقلم بالأخرى، ليبني وطناً لا تغيب عنه شمس العزة.
خيانة الأرض.. عجبٌ عُجاب في زمن الردة
ومما يندى له جبين الإنسانية، ويقف أمامه العقل مذهولاً، تلك الفئات التي انسلخت عن جلودها وباعت شرف الانتماء لخدمة المحتل الدخيل والغزاة التوسعيين. أيّ عمىً فكري ووجداني يصيب امرأً ليصبح (حصان طروادة) في قلب أهله؟ إن الذي يشرع أبواب وطنه للأجنبي، ويتحالف مع القوى التي تطمع في تفتيت النسيج العربي، لا يبيع تراباً فحسب، بل يبيع (عرضه التاريخي).
إن هؤلاء الذين يقتاتون على موائد الغزاة ويبررون تغلغل الطامعين في جسد الأمة، هم زبدٌ عابر سيلفظه التاريخ بمرارة. فالمحتل، مهما تزين بزيّ الصديق، يبقى ذئباً جائعاً لا يسمن ولا يغني من جوع، وتظل الأرض وفيةً فقط لمن سقاها بعرقه ودمه الصافي، لا لمن خان عهدها.
الفجرُ يبزغ من رحم الصمود
سيبقى العراق الأشم بوصلة المجد، وستظل العروبة هي الملاذ الأخير. إن حرمة الدم العربي ووحدة المصير هما الصخرتان اللتان ستتحطم عليهما أوهام التوسعيين وأذنابهم. فالوطن لا يُباع في مزادات الساسة، بل يُفتدى بالأرواح، والتاريخ لا يرحم الخونة، لكنه يخلد الصامدين القابضين على جمر الانتماء.
بقلم- رفاه زاير جونه

العراق… النخل الذي لا تنحني قامته للعواصف
وصلة دائمة لهذا المحتوى : https://shahdnow.sa/articles/337493/



