بدأت كرة القدم معي مثلما تبدأ مع الجميع، هواية بريئة نطارد فيها الكرة في الحارة بلا تكتيك ولا فلسفة، هدفنا الوحيد أن نسجل أكثر مما يُسجل فينا. كانت المتعة هي القانون الوحيد، والضحكة بعد الهدف هي البطولة الحقيقية. لم أكن أعلم أن تلك الكرة الصغيرة ستكبر داخلي، وأن الهواية ستعيد تشكيل قناعاتي ومبادئي تجاه اللعبة والحياة.
مع الوقت والاحتكاك والقراءة والمشاهدة، بدأت ألاحظ أن هناك طبقة أخرى تحت السطح. أن كرة القدم ليست ركضًا وتمريرًا فقط، بل معمل أفكار متجدد. رأيت مدربين غيروا وجه اللعبة لأنهم تجرؤوا على التفكير خارج القالب. كرويف أعاد تعريف المساحة، ساكي جعل الضغط كائنًا حيًا، غوارديولا حول التمرير إلى سلاح هيمنة، وكلوب نفخ الروح في الركض الجماعي. هؤلاء لم يملكوا أقدامًا أسرع، بل عقولًا أجرأ. وهنا تحولت الهواية عندي إلى هاجس، إلى سؤال لا يهدأ: لماذا هم وليس نحن؟ هل الفكرة تحتاج جواز سفر معين؟
هذا السؤال تحديدًا هو الذي فكك كثيرًا من المسلمات التي كنت أحملها. كنت أظن أن الإبداع حكر على جنسية دون أخرى، وأن الثورة التكتيكية ماركة مسجلة باسم مدارس أوروبية محددة. لكن كلما تعمقت، اكتشفت أن الفكرة لا تعرف جنسية، بل تعرف عقلًا حرًا مستعدًا أن يشك ويتساءل ويجرب ويفشل. ونحن المسلمين أهل للعلم منذ الأزل، حضارتنا قامت على “اقرأ”، وعلماؤنا كانوا منارات الدنيا حين كان غيرنا يغط في ظلامه. ابن الهيثم أسس البصريات، والخوارزمي وضع الجبر، وابن النفيس سبق العالم في الدورة الدموية. لم يمنعهم أصل ولا لغة أن يقودوا الفكر الإنساني، لأنهم آمنوا أن العقل أمانة وأن التدبر عبادة. فكيف نقبل اليوم أن يُحصر الإبداع في رقعة جغرافية، وكأن العقول تُختَم بختم الدول؟ الإبداع ليس جينًا وراثيًا يولد في ميلانو أو أمستردام، بل هو نتاج بيئة تسمح بالخطأ، وثقافة تقدس السؤال، وشخص يؤمن أن الكتاب لم ينتهِ بعد، وأن هناك صفحة بيضاء تنتظر من يكتبها.
من هنا بدأت حكاية مختلفة معي. لم أعد أكتفي بالمشاهدة والإعجاب، صار في داخلي ضجيج أفكار يلح أن يخرج. كل موقف في الملعب صار يفتح لي بابًا لتساؤل جديد. لماذا لا نضغط بهذه الطريقة؟ ماذا لو تحرك اللاعب في هذه المساحة؟ كيف نكسر هذا النمط الدفاعي بفكرة لم تُجرب؟ صرت أدون كل ما يمر في بالي، أخطئ وأشطب وأعيد، أرسم وأناقش نفسي. لم يكن الهدف أن أقلد أحدًا، بل أن أجد صوتي الخاص في زحمة الأصوات. أن أثبت لنفسي أولًا أن الفكرة تولد في أي مكان، وأن الرياض والمدينة وجدة وغيرها من مدن المملكة قادرة على أن تنجب سطرًا في كتاب كرة القدم، كما أنجبت برشلونة وميونخ.
وهكذا تجمعت الصفحات، وكبرت الهوامش، حتى صارت كتابًا سميته “أفكار مدرب”. لم يكن تأليفه ترفًا فكريًا، بل كان ضرورة نفسية لأفرغ هذا الهاجس على ورق، ولأوثق رحلة التحول من مشجع يستهلك الفكرة، إلى عقل يحاول أن ينتجها. والحمد لله أن هذا الجهد رأى النور، وتمت إجازته والسماح بنشره في المكاتب السعودية، ليكون شاهدًا على أن الطموح لا يحتاج تأشيرة، وأن الإبداع إذا وجد الإرادة، شق طريقه.
الخلاصة أن كرة القدم أعطتني أكثر من مجرد هواية، أعطتني قضية. قضية اسمها أن الفكرة لا وطن لها. وأننا قادرون على أن نصنع ثورتنا الخاصة إذا امتلكنا الجرأة لنفكر، والصبر لنجرب، والتواضع لنتعلم. فالميدان لا يسألك من أين أتيت، بل ماذا تحمل في رأسك. والأندية العالمية لم تُقد بالجنسيات، بل بالعقول. ونحن أحفاد من علّم الدنيا، فمن باب أولى أن نعود لنكتب أسماءنا في هوامش اللعبة، لا أن نبقى على دكة الاحتياط في مدرجات الفكر.



