من بين أزقة مكة القديمة، حيث كانت “بيوت الطوافة” تنبض بالحياة والضيافة والإنسانية، خرجت حكايات لا تُشبه إلا الحج ذاته… حكايات كُتبت بعرق الخدمة، وصدق المشاعر، وعلاقة إنسانية امتدت بين المطوف والحاج لعقود طويلة، حتى أصبحت جزءًا من ذاكرة المكان وروحه.
وفي هذا الحوار الخاص، الذي سيأتيكم يوميا تحت (وجوه من ذاكرة الحج) نقترب من أحد أبناء الطوافة الذين عاشوا تفاصيل الحج قديمًا وحديثًا، وشاهدوا بأعينهم كيف تحولت رحلة الحج من مشقة السفر وقوافل الجمال والخيام البسيطة، إلى منظومة عالمية متكاملة تُدار بأحدث التقنيات والذكاء الاصطناعي، دون أن تفقد روحها الإيمانية والإنسانية.
ضيفنا العزيز السيد خالد بن محمود علوي عبر زاويتنا اليومية في هذا الموسم العظيم يستعيد معنا ملامح “بيت الطوافة” المكي القديم، حيث كانت الضيافة تبدأ برائحة القهوة والمستكة، وتستمر بخدمة الحجاج وتعليمهم ومرافقتهم في المشاعر، كما يروي ذكريات طفولته مع والده المطوف السيد محمود منصور علوي، أحد عمالقة الطوافة وأعمدتها ، حين كان يصاحب حجاج جنوب أفريقيا في رحلاتهم إلى المزارات والطائف، في زمن كان الحاج يقضي فيه شهرين أو ثلاثة أشهر في مكة المكرمة.
حوار ثري بالذكريات والمواقف الإنسانية، يكشف كيف حافظ أهل مكة على شرف خدمة ضيوف الرحمن جيلاً بعد جيل، وكيف أصبحت رحلة الحج اليوم نموذجًا عالميًا في التنظيم والأمن والخدمات، بفضل ما توليه المملكة العربية السعودية من عناية واهتمام بالحرمين الشريفين وقاصديهما اليكم ماجاء في الجزء الأول من حديثه :

دعنا ندخل في عمق الحوار مباشرة وأسالك وبحكم أنك واخوانك ورثتم مهنة الطوافة أبا عن جد ، كيف كانت ملامح الحياة في “بيت الطوافة” قديمًا؟ وما أبرز الذكريات التي لا تزال عالقة في ذهنك منذ مرحلة الطفولة مع الحجاج وخدمتهم؟
يمثل “بيت الطوافة” في الذاكرة المكية القديمة كياناً اجتماعياً واقتصادياً فريداً، لم يكن مجرد سكن للحجاج، بل كان “سفارة شعبية” ومؤسسة متكاملة لإدارة شؤون ضيوف الرحمن. ومن أبرز ملامح الحياة داخل هذه البيوت قديماً:
(1) البيت كمركز عمليات (المعلم والصبيان): كان بيت المطوف يغص بالحركة قبل وصول الحجاج بأسابيع، حيث كان العمل يتوزع بين:
المطوف (المُعلم): وهو رب الأسرة والمسؤول الأول عن راحة الحجاج وسلامتهم.
الصبيان: وهم المساعدون الذين ينتشرون في المنافذ (البحرية والبرية) لاستقبال الحجاج وحمل أمتعتهم وتوجيههم إلى السكن.
(2) التجهيزات والضيافة الأصيلة: فبمجرد وصول الحاج إلى بيت الطوافة، تبدأ طقوس الضيافة التي تعكس الكرم المكي من حيث:
الترحيب: إذ يُستقبل الحجاج بـ “الماء المبرد في الشوارب” (الأواني الفخارية) المبخر بالمستكة، وتقديم القهوة العربية والتمر.
الإعاشة: حيث كانت عائلة المطوف (وخاصة النساء) تشرف على إعداد الوجبات المكية التقليدية للحجاج، مثل “السليق” و”الأرز البخاري” و”الهريسة”، وكان الطعام يُقدم في أوانٍ كبيرة تجمع الحجاج كعائلة واحدة.
(3) الدور الاجتماعي والإنساني: فلم يكن البيت مكاناً للنوم فقط، بل كان مدرسة دينية واجتماعية من حيث:
التوعية: إذ يعقد المطوف جلسات يومية لتعليم الحجاج مناسك الحج وشرح الأدعية، وغالباً ما كان يرافقهم في الطواف والسعي بـ “الشمسية” الشهيرة ليدلهم على المواقع.
الترجمة: حيث كان بيت الطوافة يضم أشخاصاً يجيدون لغات الحجاج (سواء الجاوية، الأوردو، أو التركية… إلخ)، مما يسهل التواصل وحل المشكلات.
(4) طبيعة المعمار والخصوصية: إذ كانت البيوت المكية القديمة مصممة لاستيعاب أعداد كبيرة؛ حيث تُخصص الأدوار العلوية لسكن الحجاج، بينما تخصص الأدوار الأرضية (الدهليز) للاستقبال وتخزين الأمتعة. فيما كانت الغرف تتميز بوجود “الرواشين” التي تسمح بمرور الهواء وتلطيف الأجواء، مما يوفر للحجاج قسطاً من الراحة في ظل حرارة مكة المكرمة.
(5) العلاقة الإنسانية: وهي ما يمكن أن نسميه “صلة الرحم العابرة للقارات”، حيث كانت تنشأ علاقة إنسانية عميقة بين المطوف وعائلته وبين الحجاج، لدرجة أن بعض الحجاج كانوا يرسلون خطابات بريدية لبيت المطوف طوال العام، ويعودون للسكن في نفس البيت لعقود، وأحياناً تتوارث الأجيال هذه العلاقة (الابن يحج عند ابن المطوف القديم).
(6) التجهيز للمشاعر (القافلة الصغيرة): ففي يوم التروية، يتحول بيت الطوافة إلى “خلية نحل” لتجهيز “الشقدف” (المحمل على الجمال) وتعبئة القِرب الجلدية بالماء، وتجهيز “المؤونة” التي ستكفي الحجاج طوال فترة بقائهم في منى وعرفة، وسط أهازيج مكية تودع الحجاج المغادرين مكة المكرمة نحو المشاعر المقدسة.
أما عن أبرز الذكريات العالقة في الذهن عن الحج منذ الطفولة، فقد كنت أساعد والدي المطوف السيد محمود منصور علوي – عليه رحمة الله – (رئيس مجلس إدارة مطوفي حجاج الدول الأفريقية غير العربية فيما بعد) في تطويف حجاج دولة جنوب أفريقيا، حيث كنت اقوم بمصاحبتهم في زيارة المزارات حول مكة المكرمة، فضلاً عن زيارة الطائف، علماً بأن الحجاج – آنذاك- كانوا يقضون وقتاً طويلاً في مكة المكرمة أثناء موسم الحج قد يتراوح ما بين شهرين إلى ثلاثة اشهر، إذ لم تكن الإمكانيات الخاصة بالسفر والتواصل بنفس السهولة والأريحية الموجودة الأن بالطبع.
رحلة الحج تحولات جذرية عبر العقود

انت عاصرت مراحل مختلفة من خدمة الحجيج، كيف تصف الفروقات بين الحج في الماضي والحج اليوم من حيث التنظيم، والخدمات، والتقنيات، وراحة ضيوف الرحمن؟.
شهدت رحلة الحج تحولات جذرية عبر العقود، انتقلت بها من “رحلة المخاطر والمشقة” إلى “رحلة التيسير والتقنية”. والفرق الجوهري – في اعتقادي- يكمن في تحويل الحج من تجربة تتطلب قوة بدنية هائلة وتحمل للمشاق، إلى تجربة روحانية تركز على العبادة، مدعومة بمنظومة خدمية وتقنية تضع سلامة وراحة الإنسان كأولوية قصوى. ويمكن تلخيص الفروقات الجوهرية بين الحج في الماضي واليوم في عدة جوانب رئيسية:
(1) البنية التحتية وراحة الحجاج: فمن حيث الإقامة، فقد تطورت من الخيام القماش التقليدية التي كانت عرضة للحرائق والرياح، إلى مخيمات منى المطورة (المقاومة للحريق والمزودة بأنظمة تكييف متطورة). كما انتشرت أعمدة الرذاذ في المشاعر المقدسة لخفض درجات الحرارة، مع توفر مياه زمزم مبردة ومعقمة في كافة نقاط الحركة.
وعلى صعيد الخدمات الصحية، فقد انتقلت من مراكز بسيطة إلى مستشفيات ميدانية متكاملة ومدن طبية تقدم أدق العمليات الجراحية (كقسطرة القلب) للحجاج مجاناً وبأعلى المعايير العالمية.
(2) تطوير المشاعر (جسر الجمرات مثالاً): حيث كان الجسر قديماً يتكون من طابق واحد ويشكل التحدي الأكبر في الحج. حالياً، يرتفع جسر الجمرات لخمسة طوابق، مصمم بانسيابية تضمن تدفق الحجاج في اتجاه واحد دون تقاطع، مما قضى تماماً على مخاطر التدافع في تلك المنطقة.
(3) التنظيم وإدارة الحشود: قديماً، كان الحج يعتمد على المبادرات الفردية أو القوافل التقليدية التي يقودها “المطوفون” بوسائل بسيطة. لم تكن هناك تصاريح رسمية أو مسارات محددة بدقة، مما كان يؤدي لتدافع في مناطق معينة وهدوء في أخرى.
أما اليوم، فالحشود تُدار عبر مركز قيادة وسيطرة متطور يستخدم الذكاء الاصطناعي وكاميرات المراقبة لتوجيه التدفقات البشرية. كما أن نظام “التفويج” يضمن توزيع الحجاج على الجمرات والمشاعر في مواعيد محددة لمنع الازدحام.
(4) النقل والخدمات اللوجستية: فقديماً، كانت “الجِمال” والخيول هي الوسيلة الأساسية، إذ كانت الرحلة من جدة إلى مكة تستغرق أياماً، ومن الدول المجاورة شهوراً. أما اليوم، فيُعد قطار المشاعر المقدسة نقلة نوعية، حيث يربط بين عرفات ومزدلفة ومنى في دقائق. بالإضافة إلى أسطول ضخم من الحافلات الحديثة، إضافةً إلى توسعة المطارات والموانئ التي تستقبل الملايين في وقت قياسي.
(5) التقنيات الرقمية (الحج الذكي): فقديماً، كان الحاج يعتمد على الكتيبات الورقية والخرائط اليدوية، وفي حال ضياعه كان يعتمد على سؤال الناس أو البحث عن “المطوف”. بينما اليوم أصبح “تطبيق نسك”، و”بطاقة شعائر” هما الرفيق الأول للحاج، حيث تشمل البطاقة كافة بياناته الصحية والسكنية وتعمل كأداة للدخول إلى المشاعر. كما تتوفر الروبوتات الذكية لتوزيع مياه زمزم والإجابة على الفتاوى بعدة لغات.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في الجزء الثاني :
- السعودية تقود العالم في إدارة الحشود الذكية وتقنيات خدمة الحجاج.
- خدمة الحاج تطورت من العمل الفردي إلى منظومة احترافية حديثة.
- قطار المشاعر و«طريق مكة» والروبوتات أحدثت نقلة نوعية في تجربة الحج.
تابعونا ….



