تُمثل الموارد الطبيعية نموذجًا نادرًا للنظم البيئة التقليدية Traditional Customary Reserves، وهي نتاج حماية بيئية نشأت قبل ظهور التشريعات البيئية الحديثة، واعتمدت على الأعراف القبلية والضوابط الاجتماعية المتوارثة. وقد شكّلت هذه الموارد أحد أهم وسائل إدارة الموارد الطبيعية في غرب الجزيرة العربية، خصوصًا في البيئات الجافة وشبه الجافة Arid and Semi-Arid Ecosystems التي تتسم بهشاشة التوازن البيئي وحساسية الغطاء النباتي. ومن تلك المتبقية..غابة السرح وتبلغ مساحتها المتبقية 3كم2، ويصل ارتفاعها م 215،عن سطح البحر. وتتسم بنفس مكونات الدرع العربي خاصة الصخور النارية الكامبرية القديمة.
ومع مرور الزمن، تدهورت معظم هذه الموارد التقليدية بسبب التحولات الاقتصادية والتوسع العمراني وتغير أنماط الاستهلاك، حتى اختفت الكامل تقريبًا، بينما بقيت قليل منها ولعل من بينها غابتنا هذه آخر النماذج المتماسكة نسبيًا لهذا الإرث البيئي والاجتماعي. حتى اليوم ١٧مايو٢٠٢٦م.
وتتميز بتنوع تضاريسي واضح، إذ تجمع بين الأودية الرملية الصغيرة، والكثبان، والمسطحات الحصوية، والمجاري الموسمية للسيول وقد ساهم هذا التنوع في تكوين بيئة مناسبة لعدد من النباتات الصحراوية والأحياء الفطرية.
ومن أبرز السمات البيئية بالغابة لما يُعرف اليوم بأساليب حصاد المياه Water Harvesting Techniques. وهذا ساهم في التسلسل الوراثي لبعض النوادر النباتية.
دخلت وادينا إلى نطاق الدراسات البيئية الرسمية في ٦مارس 2002م، ووصفت الدراسة الموقع بأنه يتمتع بمقومات عالية من التراث الطبيعي والثقافي والجمالي.
وقد رصدت الدراسة:
38 نوعًا نباتيًا..وأوصت الدراسة بتفعيل مفهوم الإدارة التشاركية Participatory Environmental Governance عبر إشراك السكان المحليين في حماية المحمية وإدارتها بالتنسيق مع الجهات الحكومية.
وتُعد هذه التوصية مهمة للغاية؛ لأنها تعيد الاعتبار للمعرفة المحلية التي أثبتت فاعليتها تاريخيًا في حماية الموارد الطبيعية قبل ظهور المؤسسات البيئية الحديثة.
لا يمكن تجاوز النص دون الإشارة إلى الدور المحوري الذي قام به الأهالي في حمايتها على مدى عقود. فمنذ عام 1409 هـ بدأت المكاتبات الرسمية لمنع قطع الأشجار، ووجدت تجاوبًا من الجهات المختصة.
وقد تميزت العلاقة بين الأهالي والجهات الحكومية بطابع تكاملي، حيث قدم السكان معلومات دقيقة حول أسماء المواقع والنباتات المحلية، وساعدوا في أعمال الرصد والحماية، بل وتوقفوا عن الرعي مؤقتًا أثناء تنفيذ برامج إعادة التأهيل البيئي.
وكان من أهمها تعزيز الشراكة المجتمعية التطوعية.
وتُعد هذه التجربة مثالًا مهمًا على مفهوم الحوكمة البيئية المحلية حيث تتكامل الدولة والمجتمع في حماية المورد الطبيعي.
على الرغم من هذه الجهود، تواجه اليوم تحديات خطيرة تتمثل في الزحف العمراني وهو ما قد يؤدي إلى ظهور أعمال قطع وتسوية وتخطيط تُهدد البنية البيئية للموقع.
وتُعرف هذه الظاهرة بيئيًا باسم تجزئة الموائل الطبيعية Habitat Fragmentation، وهي من أخطر أسباب تدهور الأنظمة البيئية؛ لأنها تؤدي إلى:
فقدان الغطاء النباتي.
تراجع التنوع الحيوي.
زيادة التعرية والانجراف.
كما أن رمي المخلفات الصلبة ومخلفات البناء أدى إلى تشويه المشهد الطبيعي للموقع، وهو ما يُعرف في الدراسات البيئية بـ التلوث البصري والبيئي Visual and Environmental Pollution.
ولهذا فإن فقدانها لا يعني فقط خسارة غطاء نباتي، بل ضياع جزء من التراث الثقافي والبيئي.
رؤية مستقبلية للحفاظ والتطوير المستدام
إن مستقبل الوادي لا ينبغي أن يكون صراعًا بين البيئة والتنمية، بل يمكن صياغة نموذج متوازن يقوم على مفهوم التنمية المستدامة Sustainable Development، بحيث تُحمى الموارد الطبيعية مع الاستفادة منها ثقافيًا وسياحيًا.
ومن أبرز المقترحات الممكنة:
تطوير نموذج بإدارة مشتركة بين الجهات الحكومية والسكان المحليين، بما ينسجم مع نظام البيئة السعودي الحديث.
توثيق التراث البيئي.
وقف التمدد السكني الحالي الذي سوف يحول الوادي إلى كتل خرسانية. وتدمير النظام البيئي بكامله.
ترجمة الدراسات البيئية السابقة ونشرها للباحثين والمهتمين.
إزالة التشوهات البيئية
يبقى هذا الوادي المعروف بــ Jarfaayn في بعض الدراسات الأجنبية ..واحدة من آخر الشواهد الحية على أن الإنسان في الجزيرة العربية لم يكن دائمًا مستنزفًا للطبيعة، بل مارس عبر قرون طويلة أشكالًا متقدمة من الإدارة البيئية القائمة على العرف والتوازن والاستدامة.
ومن خلال الصور المرفقة تظهر بتر التخطيط..تنتشر وسط الغطاء النباتي..مما يؤذن بازالتها.
ونحن اليوم نقف على أعتاب مرحلة مفصلية؛ فمن المؤلم جدًا لنا ولأجيال تعاقبت على حماية هذا المكان، أن تؤول هذه الغابة إلى هذا المصير الحتمي وغير المتوقع أبدًا، خاصة بعد جهود مضنية دامت لأكثر من خمسة وعشرين عامًا من الرصد والحماية والعمل الدؤوب التي ثابر عليها محبو البيئة دون كلل وتحملوا في ذلك وعثا شديدا لكن قناعتهم بعدالة منشطهم البيئي أبقى جذوة حماسهم مستعرة..حتى تاريخ نشر هذه المقالة. ومع تصاعد وتيرة التوسع السكاني وخطر زوالها،وتكالب المخاطر يحدونا أمل قوي وثقة بالوعي المؤسسي المحوكم للتدخل العاجل، وإعادة النظر في أي مخطط يمس سلامتها؛ إنقاذًا لواحد من آخر الشواهد الحية على أن إنسان الجزيرة العربية كان -ولم يزل- حارسًا للطبيعة ومستثمرًا واعيًا في استدامتها




