تشهد منصات التواصل الاجتماعي بين الحين والآخر موجات نقاش حادة حول واقع سوق العمل السعودي، تُصوّره بعض الأصوات — خصوصاً من فئات من العمالة الوافدة مثل الجالية المصرية — كبيئة تعاني من التمييز. إلا أن قراءة موضوعية للأنظمة والتنظيمات الحاكمة تكشف وجود فجوة واضحة بين هذا الخطاب العاطفي والواقع المؤسسي الفعلي، حيث شهدت المملكة خلال العقد الأخير تحولاً جوهرياً نحو بيئة عمل أكثر عدلاً وتنظيماً.
لم تأتِ التشريعات العمالية السعودية وليدة لحظة آنية، بل كانت نتاج مسار طويل من التطوير والتحديث الذي راعى مصالح العامل وصاحب العمل على حدٍ سواء. فمنذ إصدار نظام العمل الأول مروراً باللوائح التنفيذية اللاحقة، وصولاً إلى النظام الحالي الذي يُعلي من مبدأ التوازن بين الحقوق والواجبات، اتجهت السياسات نحو ترسيخ الوضوح والشفافية. وأسهمت رؤية المملكة 2030 في تسريع هذا التحول عندما جعلت من “تعزيز بيئة عمل جاذبة وعادلة” هدفاً استراتيجياً، انعكس تطبيقه في أنظمة مثل ( حماية الأجور ) وتوثيق العقود إلكترونياً .
تقوم العلاقة العمالية في السعودية على أساس (عقود موحدة)واضحة البنود تُوثَّق إلكترونياً عبر منصات معتمدة مثل “مقيم”، دون تمييز على أساس الجنسية أو العرق أو الدين. فالمعيار الوحيد هو طبيعة العمل والمسمى الوظيفي. ويستند القضاء العمالي إلى قاعدة “العقد شريعة المتعاقدين” ما يجعل من بنود العقد المرجعية الأولى في أي نزاع، ويحد من الاجتهادات أو الأحكام الفردية غير المنضبطة.
الحماية المؤسسية منظومة ثلاثية لضمان الحقوق
تعتمد المملكة منظومة حماية متكاملة ترتكز على ثلاثة محاور رئيسية:
- الرقابة الاستباقية من خلال تفتيش دوري ومتابعة ذكية للمخالفات، مثل تأخير الرواتب أو تشغيل غير المصرح لهم.
- البت السريع في المنازعات بواسطة منصة “ودي” التي تتيح رفع الشكاوى إلكترونياً بالمجان وبشفافية، إضافة إلى هيئات تسوية الخلافات العمالية المعتمدة قضائياً.
- الجزاء الرادع حيث تفرض الوزارة عقوبات مالية وإدارية، قد تصل إلى حظر الاستقدام أو إغلاق المنشأة عند تكرار المخالفة.
أثمرت هذه الآليات عن حسم آلاف القضايا لصالح عاملين من مختلف الجنسيات، في دليل على نزاهة المنظومة ومهنيتها العالية.
يبقى استمرار مئات الآلاف من العمالة الوافدة في المملكة لعقود، بل وعودتهم المتكررة بعد انتهاء عقودهم، مؤشراً عملياً على ثقتهم ببيئة العمل المحلية. فلو كان التمييز ممنهجاً، لما استمر هذا الإقبال والاستقرار المهني. إن قرار العامل بالبقاء أو العودة خيار اقتصادي موضوعي يعكس توازناً في المنافع وبيئة توفر دخلاً مستقراً وحقوقاً قابلة للمطالبة بها ضمن القنوات القانونية.
التجاوزات الفردية استثناء لا قاعدة
لا يمكن إنكار احتمال حدوث تجاوزات فردية أو مخالفات محدودة، كما يحدث في جميع أسواق العمل حول العالم. إلا أن الفارق في الحالة السعودية هو وجود بنية مؤسسية تتعامل مع هذه الحالات بوصفها ( استثناءات تُعالج بالردع القانوني ) لا كظواهر معممة. ومن ثمّ، لا يصح أن تتحوّل حالات فردية إلى سردية تُمجّد مظلومية كلية لا تسندها بيانات او واقع الحال .
تعود بعض الأصوات المنتقدة إلى أسباب متعددة، من أبرزها:
(عوامل نفسية واجتماعية)كالشعور بالاغتراب أو المقارنة غير الواقعية مع بيئات العمل في الوطن الأم.
(ثقافة الشكوى) المبالغة في توصيف المشاكل اليومية بوصفها "اضطهاداً" مؤسسياً.
(ضعف الوعي بالنظام)حيث يجهل بعض العمال الحقوق والمسارات القانونية المتاحة لاستردادها.
(الاستغلال الإعلامي والسياسي)عبر تضخيم حوادث فردية لخدمة أجندات خاصة أو سياسات خارجية.
إن المساواة في سوق العمل السعودي ليست شعارات إعلامية، بل ممارسة نظامية تجسدها القوانين والأنظمة والتطبيقات الواقعية.
اخيرا :
فالقنوات الرسمية اليوم تتيح الوصول إلى الحقوق بآلية عادلة وسريعة، ضمن نسق مؤسسي يتطور باستمرار. يسير بثبات نحو نموذج مؤسسي متوازن، تتساوى فيه الأطراف أمام النص القانوني والعقد الموثّق، ويُعاد فيه الحق لمن يطلبه عبر الدليل والإجراء النظامي السليم.




