في ليالي وأيام شهر رمضان التي تتجلّى فيها معاني الصفاء، ونستعيد فيها سير الرجال الذين جعلوا من خدمة الإنسان رسالة، نواصل معكم تصفّح صفحاتٍ من مسودة كتاب “سفراء الوطن… نماء وعطاء” قبيل اعتماده للطباعة. وفي هذه السلسلة الرمضانية نقترب من تجارب عددٍ من المرشدين السياحيين الذين حملوا مسؤولية التعريف بالمكان، وقدموا صورة مشرّفة للوطن من خلال علمهم وثقافتهم وحضورهم الإنساني.
وفي هذه الحلقة نقف عند سيرة المرشد السياحي عبدالله الهوساوي؛ أحد أبناء مكة المكرمة الذين تشكّلت علاقتهم بالمكان منذ الطفولة، فكان الطريق بالنسبة له مدرسة، وكانت الحكايات التي تختزنها الأزقة والجبال والمعالم التاريخية مصدر إلهامٍ لصناعة تجربةٍ إنسانية ومهنية مميزة في مجال الإرشاد السياحي.
إن تجربة الهوساوي تمثل نموذجًا للمرشد الذي جمع بين المعرفة بالمكان، والقدرة على قراءة احتياجات الزائر، فكان بحق شاهد الطريق ومرشد الرحلة؛ ينقل للزائر قصة المكان قبل أن يريه معالمه، ويجعل من كل جولة حكاية حيّة تربط الضيف بتاريخ مكة وروحها.
من دروب مكة إلى منصات العالم… عنوان يختصر مسيرة رجلٍ بدأ رحلته من ميدان العمل والخدمة، حتى أصبح أحد الوجوه التي تسهم في تقديم مكة للعالم بلغة المعرفة والاحترام للمكان وقدسيته.
وفي السطور التالية نفتح نافذة على جانبٍ من هذه التجربة، لنقرأ معًا ملامح مسيرةٍ تشكّلت في مكة المكرمة، حيث تتقاطع طرق التاريخ بالإنسان، وتلتقي خدمة المكان بقدسية الرسالة؛ هناك حيث بدأت ملامح تجربة عبدالله الهوساوي المهنية والإنسانية تتبلور. لم يكن شغفه بالسياحة والإرشاد وليد المصادفة، بل نتاج مسيرة طويلة من العمل الميداني، والتطوع، والاحتكاك المباشر بالناس في أكثر البيئات ازدحامًا وتنوعًا.
ففي مكة المكرمة، حيث تتقاطع طرق التاريخ بالإنسان، وتلتقي خدمة المكان بقدسية الرسالة، تشكّلت ملامح تجربة عبدالله الهوساوي المهنية والإنسانية. لم يكن شغفه بالسياحة والإرشاد وليد المصادفة، بل نتاج مسيرة طويلة من العمل الميداني، والتطوع، والاحتكاك المباشر بالناس في أكثر البيئات ازدحامًا وتنوعًا.
يحمل (الهوساوي) درجة البكالوريوس في اللغة الإنجليزية، وهي أداة معرفية فتحت له آفاق التواصل مع ثقافات متعددة، ومكّنته من أداء دوره كمرشد سياحي وإنساني قادر على الشرح، والإقناع، وبناء الجسور بين الزائر والمكان. ومع هذا التأهيل الأكاديمي، راكم خبرة واسعة في خدمة الحجاج والمعتمرين، وإدارة العمليات، والإشراف الميداني، وتنظيم الفعاليات الكبرى داخل المملكة وخارجها.
منذ عام 2017، عمل ( الهوساوي) مراقبًا للخدمات بوزارة الحج والعمرة، حيث شارك في تطوير وتوسيع باقات الحج والعمرة، والإشراف على تجربة الزائر منذ لحظة التخطيط وحتى العودة. كان حاضرًا في معالجة الشكاوى، وبناء الحلول، والتنسيق مع شركات الطيران والفنادق والسفارات، مؤمنًا بأن جودة الرحلة لا تُقاس بالخدمات فقط، بل بالشعور بالأمان والرضا الذي يعود به الحاج أو المعتمر.
في محطة مترو المشاعر المقدسة، تقلّد أدوارًا متعددة كمدير ومشرف وقائد فريق منصة، في واحدة من أكثر البيئات التشغيلية حساسية في العالم. هناك، مارس القيادة تحت الضغط، وأدار الحشود، وتعامل مع الحالات الطارئة، ونسّق مع غرف التحكم والجهات الأمنية، واضعًا سلامة الركاب وجودة الخدمة في مقدمة الأولويات. ولم تكن هذه التجربة مجرد وظيفة، بل مدرسة في الانضباط، وسرعة القرار، والعمل الجماعي.
امتدت خبرته إلى خارج الوطن، حيث عمل مشرف محطة في مترو الدوحة، مضيفًا إلى رصيده بُعدًا دوليًا في إدارة التشغيل والجودة، والتعامل مع فرق متعددة الجنسيات، ورفع التقارير للإدارة العليا. كما عمل مساعدًا تنفيذيًا في مؤسسة ومركز أوقاف الكل، حيث خاض تجربة إدارية ولوجستية متقدمة شملت الاستيراد والتصدير، والتخليص الجمركي، وإدارة المرافق والعلاقات مع الموردين.
في سوق عكاظ ، برز (الهوساوي) كمرشد سياحي يجيد سرد التاريخ بأسلوب قصصي، يحوّل المعلومة إلى تجربة، والموقع إلى حكاية. لم يكتفِ بالشرح، بل شارك في الأعمال التمثيلية والتعليق الصوتي والإنتاج الإعلامي، مؤمنًا بأن الصورة والكلمة شريكان في صناعة الذاكرة السياحية.
في إطار مبادرات شباب مكة، قدّم الدعم اللوجستي والإنساني للحجاج، لا سيما ذوي الاحتياجات الخاصة، وتعامل مع الأزمات والحالات الطارئة بحس إنساني عالٍ. كما أسهم من خلال جمعية الكشافة العربية السعودية في تدريب المتطوعين ودعم القيادات الكشفية، جامعًا بين الخبرة المهنية ورسالة التطوع التي آمن بها لأكثر من عشر سنوات.
حرص (الهوساوي) على تطوير ذاته عبر عشرات الدورات في القيادة، والإرشاد السياحي، والتخطيط، والإدارة، والإسعافات الأولية، إلى جانب حصوله على رخصة مرشد سياحي معتمدة، ورخصة طائرة بدون طيار، ومهارات في الترجمة الشفوية، والتصوير السينمائي والتلفزيوني، والتسويق والإعلان.
يتحدث العربية والهوسا كلغتين أم، ويتمتع بمستوى متقدم في اللغة الإنجليزية، ما جعله قادرًا على تمثيل المكان والإنسان السعودي في المحافل الدولية، والمشاركة في مؤتمرات ومنتديات عالمية في أذربيجان، وتنزانيا، وزنجبار، والمملكة العربية السعودية.
يمثل عبدالله الهوساوي نموذجًا للمرشد السياحي الشامل؛ مرشد يعرف الطريق، ويفهم الإنسان، ويحترم المكان. مسيرته ليست قائمة وظائف، بل حكاية التزام، وتجربة ميدانية، ورغبة صادقة في أن تكون السياحة




